Saturday, September 1, 2007

فى فرنسا والدول المتقدمة - الجزء الأخير


:اليوم الرابع عشر والأخير


صباح كئيب ... حتى الجو كان برد ومغيم وواضح انها مطرت اثناء الليل ... والجو العام السائد فى غرفتنا العزيزة هو الاكتئاب عموماً ... مبنكلمش بعض تقريباً ... قمنا من الساعة 8:00 نوضب الشنط ... مفيش مكان نحط رجلينا على الأرض من كتر الشنط حتى انى كنت باعدى برجلى "جوة" شنطة فاضية كانت فى الطريق عشان أعدى من مكان لآخر

نزلت شنطة كبيرة من شنطى مع شنطة ل"منى" سبتهم فى الريسبشن وسبقتها الى الشارع ... كنت عايزة اشترى شوية حاجات من "مونوبرى" قبل ما نمشى ... أما هى فكانت على ميعاد مع واحد صديق والدها كان المفروض انه هييجى يوصلنا المطار

مشيت لآخر مرة فى شارعنا الجميل الضيق بسوق الفاكهة بشكلها وألوانها اللى تفتح النفس ومحل "بول" اياه على ناصيته ... كنت بدأت أفتقد كل ده من دلوقتى ... دخلت "مونوبرى" اللى فى الجهة المقابلة لشارعنا ... قضيت حوالى ساعة أو أقل قبل ما أرجع الأوتيل عشان أحط الحاجة اللى اشتريتها فى الشنطة ... لقيت "منى" نزلت ونزلت معظم شنطها فى الريسبشن برضو ... قلت أروح الشانزيليزيه أتمشى تمشية وداع ... ركبت المترو لآخر مرة ... محطة واحدة نزلتنى عند قوس النصر ... مشيت مع احساس مختلط من السعادة برحلتى عموماً وانى بتمشى دلوقتى فى الشانزيليزيه وشعور بالتعاسة ان الفترة دى قربت تنتهى بعد أقل من ساعتين ... وصلت الى محل "بول" بتاع المخبوزات اياه لكن فرع الشانزيليزيه ... اشتريت البان أو ريزان المعهود مع كوب نسكافيه وطلعت قعدت على بنش قصاد المحل اتابع حركة السيارات فى الشارع الفسيح وحركة الحمام اللى بياكل من الأرض حواليا وتحت رجلى
خلصت إفطارى ومشيت لحد "مونوبرى" تانى – المرة دى الفرع اللى على ناصية شارع الأوتيل القديم – ودخلت اشترى شوية حاجات افتكرتها فى آخر لحظة ... بدأت أمشى فى اتجاه الرجوع وجاتلى مكالمة من "منى" بتستعجلنى ... فعلاً كانت الساعة 12 تقريباً ... ميعاد المغادرة من الأوتيل

وصلت الأوتيل لقيت راجل كبير واقف قدام الأوتيل بيتكلم فى التليفون ... كان شكله مصرى فقدرت انه هو صاحب والد "منى" ... طلعت الأوضة لقيتها مستعدة ... آخدنا بقية الشنط ونزلنا ... طلع تخمينى صحيح ... هوه ده أونكل "فؤاد" ... وريناه المأساة ... عدد الشنط وأحجامها ... خمس شنط كبيرة واتنين هاند باج ولاب توب ... يا نهااااااار ... مكنتش مصدقة ... شكلهم لما اتجمعوا جنب بعض كان كارثة ... قال لنا هيروح يحاول يجيب العربية قدام الأوتيل عشان مانشيلش كل ده ... عنها وغاب حوالى نص ساعة ... قلنا الراجل أكيد اتصدم من منظر الشنط وقال يهرب بجلده من التوصيلة دى

وقفنا نتكلم شوية مع صاحب الأوتيل لحد ما أونكل يرجع ... ايرانى كردى الأصل هو – صاحب الأوتيل – اسمه "حسن كاريمى" ... اتكلم معانا كتير عن مصر والسياسة وفرنسا واتبادلنا التليفونات عشان لو فكر يزور مصر نرضله جمايله اللى غرقتنا دى فى أوتيل أوسع شوية من بتاعه ده

الحمد لله أونكل رجع بعد فترة لكن معرفش يدخل الشارع بالعربية فركنها على الناصية برة ... آخدنا الشنط بالدور على أكثر من مرة ... العربية جولف صغيرة ... اتغطت بالشنط من فوق لتحت وبالطول والعرض حتى مبقاش فيه غير مكان ضيق أقعد فيه – الحمد لله انه متوفر أصلاً لأن كان فيه اقتراح لطيف من "منى" انى احصلهم بالمترو ... أكيد كانت بتهزر ... - تفتكروا كان جد؟ - والكرسى الأمامى ل"منى" وجنبها شنطة كمان ... كان ناقص أونكل ياخد شنطة كمان على رجله وهو سايق

عدينا فى الطريق على قوس النصر ولفينا حواليه مرة آخدت خلالها آخر صور آخدتها جوة باريس من شباك العربية وكانت لقوس النصر من زوايا مختلفة ... ثم آخذنا الطريق الدائرى المحيط بالمدينة حتى مطار أورلى

وصلنا مطار "أورلى" فى الواحدة والنصف تقريباً ... لا يمكن يكون ده هو نفسه مطار أورلى اللى وصلنا فيه من أسبوعين ومكنش فيه غيرنا ... كم رهيب من البشر ... أقصد من العرب ... تعرف انهم عرب منين؟ اذا ماكنتش سامع اللغة فأكيد هتسمع "تون" الصوت العالى المميز لما العرب بيكلموا بعض ... وأكيد هتاخد بالك من "الكراتين" المعدية فوق الترولليهات رايحة جاية ... وأكييد أكيد هتلاحظ ان الدنيا مبعترة وكل واحد واقف أو ماشى فى اتجاه و الناس بتخبط فى بعض

مشينا طريق طويييييييل بطول الصالة كلها لمنطقة ال"ديتاكساشن" – معرفش ترجمتها لكن المفروض تروح هناك بفواتير الحاجات اللى شاريها وعليها "ديتاكس" ويرجعولك فرق الضريبة – عشان "منى" تخلص حاجاتها ... أنا مكنش معايا أى حاجة عليها "ديتاكس" فقعدت أنا وأونكل فؤاد على بنش نستناها ... هو راجل لطيف جداً ... دكتور فى جامعة السوربون وعايش فى فرنسا بقاله 30 سنة

المرحلة التانية كان لازم ننزل فى الأسانسير للدور السفلى علشان نعمل "بوردينج" ... فيلم الرعب هيبتدى بقى ... الوزن ... وقفنا فى الطابور نتخيل أسوأ الاحتمالات ... معناش ولا مليم ندفعه زيادة ... وعلى منظر الشنط كده أكيييييييد هندفع ... المشكلة الأولانية كانت انهم ملاقوش اسم "منى" على الطيارة ... أهلاً ... فرحت هى قوى ساعتها ... على الأقل ده معناه انها مش هترجع مصر دلوقتى وتبقى جت من عندهم ... لكن لسوء حظها لقوه فى الآخر ... هترجع يعنى هترجع ... لا داعى للهرب ... ثم كان وقت الميزان ... ووقت الميزان يكرم المرء أو يهان ... أول شنطة اتوزنت كانت شنطة متوسطة الحجم – مش من التلاتة الكبار حتى – وطلعت 22 كيلو ... طبعاً دى لوحدها يبقى هندفع يعنى هندفع ... المفروض كل واحدة فينا ليها لحد حوالى 45 كيلو – مصر للطيران بقى وتفاريح - ... لكن حتى مع الكرم الحاتمى ده لمصر للطيران تفتكروا طلع الوزن الاجمالى كام؟؟؟ 102 كيلو ... يعنى أكتر من 10 كيلو زيادة ... وكل كيلو المفروض يدفع عنه 20 يورو ... يعنى أكتر من 200 يورو ... أونكل قعد يحاول يتفاهم مع الراجل الفرنساوى الإتم لكن كان إتم فعلاً ومنشف دماغه ... اتدخل موظف تانى هندى كده – أو باكستانى – وأونكل كان قرب يشحت علينا ... ان احنا طلبة ومفلسين وزمايلنا سافروا وسابولنا حاجات – هما شنطتين بلاستيك سابهم "زهران" ميطلعوش 400 جرام وحياتك ... ووو ... الى آخره لحد ما الأخ الهندى عدى الموضوع – تقريباً أونكل ظبطه بكام يورو برضو ... حتى هناك فيه الكلام ده؟ - وكمان قالوا لازم ندفع كل واحدة 20 يورو عشان تأجيل تذاكرنا رغم اننا دافعين فى مصر ... بس هتتناقش فى ايه هناك؟ يا الدفع يا البيات على رصيف المطار ... أونكل ربنا يكرمه دفعهم من جيبه ... يا لاهوي ... الراجل دكتور محترم ... بهدلناه معانا آخر بهدلة ... من أول شيل الشنطة وحشرها فى العربية لزق التروللى بتاعنا بنفسه طول الوقت تقريباً للشحاتة علينا فى منطقة الوزن لدفع غرامة من جيبه! وكمان بعد ده كله خدنا وطلعنا قعدنا فى الكافيتريا وقام بنفسه جابلنا حاجة نشربها ... يا نهاااار! بجد كنت مكسوفة منه جداً ومبعرفش أتكلم فى المواقف دى

قعدنا حوالى 20 دقيقة ثم توجهنا للصالة العلوية عشان البوردينج ... سلمنا على أونكل ولسانا عاجز عن الشكر أو الاعتذار عن كل البهدلة دى وفضل متابعنا لغاية ما عدينا جوة الصالة
وصلنا لنقطة تفتيش ... كل واحد بيحط الشنط على السير وياخد سبت بلاستيك يحط فيه أى حاجة معدن ... قلعنا الساعات والاكسسوارات وكل حاجة ممكنة ... الراجل بتاع الأمن اللى واقف شاورلى أقلع الجاكت ... قلعنا ... شاورلى على منطقة الحزام فرفعت القميص قليلاُ وهزيت رأسى بالنفى انى مش لابسة واحد ... لكن "منى" قلعوها حزامها ... ايه ده؟ حسيت بالارهاب بجد ... كنت متوترة لدرجة انى مخدتش بالى انى محططش شنطة "منى" اللى كانت سايباها فى عهدتى على السير وسبتها على الأرض ... عدينا من الجهاز وكان فيه واحدة من الأمن تانية وقفة عند نهاية السير ... طلبت من "منى" فتح شنطتها الهاند باج لتفتيشها ... وصادرت منها إزازة بارفان وكريم تقريباً ... فجأة سمعت صوت بتاع الأمن بيزعق بصوت عالى من الناحية التانية من البوابة ولقيت "منى" جريت تجيب الشنطة اللى اكتشفت لحظتها انى أنا اللى سبتها على الأرض هناك ... بتاع الأمن زعق ل"منى" اللى رجعتلى ووشها محتقن من الغيظ ... منى طبعاً ... اتكسفت جداً واعتذرت لها بس دى مكنش فيها اعتذار ... لو الشنطة كانت فضلت شوية كان الأمن هياخدها وهتتفتش ولو ملقولهاش صاحب هيعدموها ... الحمد لله مكنش عندنا وقت تطلع غيظها فيا لحظتها ... لبسنا هدومنا ورجعتلنا آدميتنا اللى اتبعترت فى أسلوب التفتيش ده وكملنا طريقنا

مشينا طريق طويل لحد صالة الانتظار للطيارة بتاعتنا ... قعدنا حوالى 20 دقيقة كمان على ما طلعنا الطيارة ... كنا واقفين فى الصالة بنبص لطيارة مصر للطيران اللى هترجعنا بنظرات كراهية ... الاكتئاب بلغ منا مبلغه خصوصاً مع بداية استقرارنا فى كراسينا داخل الطيارة ... مع بداية اكتشافنا ان احنا بقينا فى مصر خلاص أصلاً ... بتصرفات الناس الهمجية ... كأننا دخلنا سوق مش طيارة ... ناس بتتخانق على الكراسى وناس بتتخانق على مخدات النوم والدوشة المعتادة عند وجود أى عدد من المصريين باصواتهم العالية ... الشعب المصرى كله عنده مشاكل سمعية تقريباً ... ظاهرة لابد من دراستها

افتكرت ان "زهران" كان بيشغلنا ع الموبايل أغنية "مشربتش من نيلها؟" ... شربت ... بس شربت من السين برضو ... ايه رأيك؟ ... واخترت السين ... ايه رأيك؟ ... ماهو الأخ "هيرودوت" لما قال ان اللى يشرب من مية النيل لازم يرجعله تانى ... أولاً وقتها مكنش بيشرب من نيل ملوث ... احنا بنشرب دلوقتى من براميل نستله حضرتك ... نيل ايه وقرف ايه؟ ... ثانيا اذا كان بيقول كده على النيل ... يبقى أكيد مازارش السين ... طب أنا ذنبى ايه ؟ أفضل مقيدة بجملته دى ... مش يمكن مكنش معاه فلوس يروح أبعد من النيل؟ مش يمكن ملقاش طيارة توديه؟
ايه اللى أنا بهيسه ده! هطق ... بجد حتى وأنا فى مصر دلوقتى ... مجرد انى باكتب احداث اليوم ده عايشه اللحظات دى كأنى رجعت بالزمن فعلاً ... فبجد مكتئبة انى راجعة مصر ... "منى" كانت حالفة تقريباً لتعيط وهى ماشية ... وحذرتنى ان ده ممكن يحصل ... لكن الحمد لله ماحصلش ... يمكن عشان اللى حصل بعد كده شغلها شوية عن التفكير فى الموضوع ... ايه اللى حصل بقى؟

أنا أول ما قعدت طلبت مخدات وكوفرتات عشان النوم ... قعدت فترة قلقانة وبعدين رحت فى النوم ... صحيت فجأة و"منى" بتصحينى عشان الأكل جه ... فتحت عينى واذا بعينى الشمال بتوجعنى جداً وبتدمع بصورة متواصلة ... شلال دموع منهمر من عينى مش عارفة أوقفه ... الراجل المضيف كان واقف جنبى بالتروللى بتاع الأكل فسابه ولقيته خدنى من دراعى يقومنى أروح أغسل عنيا ... كان الموضوع مفاجىء ليا وسريع قوى وأنا لسه صاحية من النوم فجأة فكنت مخضوضة جداً لدرجة انى مكنتش عارفة أتكلم تقريباً ... الراجل سبقنى لآخر الطيارة عند الحمام و"منى" قامت سحبتنى من ايدى وراها وانا مش شايفة أى حاجة ... حسيت عينى طارت خلاص ... ألم فظيع ودموع مش بتقف ... خلعت العدسات اللاصقة وغسلت عينى أكثر من مرة ... رجعنا مكاننا وكانت الدموع توقفت قليلا لكن الألم مستمر ومش عارفة أفتح عينى الشمال خالص ... فضلت كده شوية والأكل جه ... معرفتش أتعامل طبعاً بشكلى ده ... "منى" قطعتلى الفراخ وكان ناقص تأكلنى ... البنت والله تعبت معايا ... كنت حاساها بتفكر هتعمل ايه فيا بالشكل ده لما نوصل؟ ورانا جوازات وشنط وتفتيش وأكيد مش طلباها تجر واحدة مبتشفش وراها كمان

غمضت عينى ونمت شوية كمان ... صحيت لقيت "منى" نايمة ... عينى الحمد لله هدأت شوية وبقيت عارفة أفتحها ... مفيش شوية وبدأنا اللاندينج ... الغريب ان دى كانت المرة الوحيدة اللى ركبت فيها طيارة ومتعبتش من الضغط عند اللاندينج ... عادة كنت باتألم لدرجة الصراخ من ألم ودانى – باختصار انا لازملى كونسولتو دكاترة يصاحبنى طوال فترة سفرى فى أى مكان مع كل الأمراض والأعراض اللى عديت بيها طول السفرية دى من أول القولون العصبى والجيوب الأنفية والحساسية والتهاب الزورنهاية بتقرحات القدمين والتهاب العينين وآلام الأذن – لكن المرة دى محستش بحاجة تقريباً ... يمكن ده ليه دخل بموضوع عينى؟ ... ما علينا ... صحيت "منى" وبدأنا نستعد للهبوط من الطيارة ... الناس كلها قامت من مكانها حتى قبل اعادة الأنوار ... وبدأ التزاحم للنزول ... ما كل الناس هتنزل ... حاجة غريبة! يعنى هما هيسبوك فى الطيارة ويقفلوا عليك؟

الساعة 10 تقريباً وصوت الكابتن بيهنينا بسلامة الوصول ويبشرنا "درجة الحرارة خارج الطائرة 32 درجة مئوية" ... يا نههههااااااااااار! احنا سايبين باريس فى درجة حرارة 17 ... العشر دقائق اللى قعدناهم فى الطيارة ما بين اللاندينج والنزول من الطيارة كنا هنفطس من الحر ... يا عم اطلغ غيرنا رأينا مش نازلين المحطة دى

دخلنا صالة الوصول ... كان فيه راجل بينده باسم "منى" ... كان "زهران" باعتلنا عسكرى يخلصنا من الاجراءات ... آخد باسبورتاتنا وعدينا من غير ما نمر على الجوازات ... ثم اتجهنا للسير عشان ناخد شنطنا ... كان الموضوع صعب قوى ... المكان زحمة جداً والسير صغير ... لازم نجيب اتنين تروللى ولازم واحدة تمسكهم والتانية تجيب الشنط من على السير ... خدت أنا موضوع التروللى و"منى" وقفت عند السير ... على ما اخدنا شنطنا كلها كانت مرت 15 دقيقة ... العسكرى جالنا تانى ومشى معانا لحد بوابات الخروج ... وقفنا الظابط للتفتيش ... اخدنا على جنب وطلب تفتيش شنطتين واحدة بتاعتى وواحدة بتاعتها ... بص للشنط وسألنا "انتو قعدتوا قد ايه؟" قلناله اسبوعين ... فسأل سؤال وجيه جداً "ومش شايفين ان الشنط دى كتييير شوية على أسبوعين؟" ... إممم ... أررر ... إحممم ... ما هو أصل .. ماهو يعنى ... كلمتين أى كلام هو عارف انها حجج وتلاكيك أصلاً بس عداها بمزاجه

أخيراً خلصنا الاجراءات ... شعور رائع بالحرية بعد كل القلق والتوتر بسبب الوزن والتفتيش وكل الاجراءات الثقيلة فى المطارين ... كل واحدة لقت أهلها أول ما خرجنا ... وزعنا الشنط اللى كانت متلخبطة على بعض وافترقنا

شوارع مصر بضوضاءها وترابها وزحمتها مرة أخرى ... عودٌ أحمد


باريس
القاهرة

فى فرنسا والدول المتقدمة - الجزء العاشر


:اليوم الثالث عشر

بدأنا نعد فى الساعات القليلة الباقية لنا فى باريس ... صحينا بشعور عام من الاكتئاب ... اليوم تكون آخر ليلة وغداً نعود إلى القاهرة ... أسخف شىء فى أى رحلة هو شعور اقتراب النهاية ... انك تبقى عايز الشمس تقف عند اليوم ده شوية ... انك عايز تعيش فى المكان ده أكترشوية... لكن عارف ان ده مستحيل ... انك تندم على الوقت اللى مستفدتش بيه ... وتفكر فيه كام حاجة كان نفسك تعملها وملحقتش

علشان كده قررنا نصحى بدرى قوى نلحق اليوم من أوله ... صحينا الساعة 7:30 ... معندناش مفهوم الفطار اللى اتعودنا عليه فى الأوتيل الأولانى لأن دلوقتى رجعنا الى أساسيات الحياة فى الأوتيل الجديد ... سرير وحمام هم أقصى خدمة هتلاقيها ... فكنا اتعودنا نعدى على "بول" كل يوم الصبح على ناصية الشارع فى طريقنا للمترو ... هو فرع من سلسلة كبيرة مشهورة وقديمة جداً من محلات المخبوزات ... ادمنت منه العيش بالزبيب – بان أو ريزان – لدرجة انى دورت عليه فى مصر زى المدمنين لما رجعت ... كنا فى المترو فى طريقنا الى الساكر كور على 8:30 ... وصلنا قرب التاسعة فكانت الشوارع مختلفة تماماً عن المرة الأولى اللى زرتها فيها ومكنتش عارفة أمشى فى الشارع من كتر الناس والزحمة ... دلوقتى مفيش غيرنا تقريباً فى الشارع ... حتى اننا طلعنا فى التلفريك اياه – الفونيكولير – مع عمال النظافة ... بالمناسبة ... واحد من عمال النظافة كانت طالع ياخد عربيته من فوق ... مش عربية الزبالة ... عربيته الشخصية ... بيجو قديمة موديل الثمانينات – لا تعليق
سلالم الكنيسة الطويييييلة شبه خالية ... حتى فى صورنا شكلنا كالنقط الصغيرة على صفحة مسطورة ... والجو فيه لسعة برد الصباح المنعشة ... ده أفضل وقت عندى فى اليوم
مكنش هدفنا الكنيسة فى حد ذاتها لكن المنطقة المحيطة بيها ... مونمارتر ... لذلك نزلنا السلالم على يمين الكنيسة الى المنطقة الخلفية ... هى منطقة ذات مستوى اجتماعى متوسط كما سبق وذكرت ... لكن نظيفة جداً ... الشوارع والعمارات ... عمارات من باللونين الطوبى والأبيض ... كل بلكوناتها تقريباً مزينة بأحواض زهور بألوان مختلفة ... والشوارع بعواميد النور السوداء ... احساس قاهرة الستينات اياه

مشينا فى شارع منحدر فاصبحنا خلف الربوة العالية التى تقع عليها الكنيسة مباشرة ... طلعنا السلالم العالية حتى أصبحنا فى مستوى الكنيسة تقريباً ثم انحرفنا فى شارع جانبى على اليسار ... منطقة محلات سوفينيرز ... منتشر فيها رسامى شوارع منونمارتر المشهورين ... كزائر لباريس لازم تروح الساكر كور وتخللى واحد منهم يرسمك بالفحم .. سألنا عن ميدان داليدا ... بعد اللف شوية كمان فى شوارع جانبية وجدناه
ميدان خالى من الناس تماماً ... حواليه بيوت مغطاة بأكملها تقريباً بالنباتات المتسلقة ... هى أقرب الى الفلل الصغيرة منها الى عمارات ... فيه تمثال نصفى وحيد من البرونز للأخت داليدا الله يرحمها فى منتصف الساحة ... الفرنسيون يعشقون حاجة اسمها داليدا ... طبعاً لم ننسى فى الطريق نغنيلها "احسن ناس" ... احنا ... مصريين ... احسن ناس طبعاً – بغض النظر عن كل التعقييد اللى اتعقدناه خلاص فى الكام يوم اللى فاتوا

كنت عايزة أشوف "مولان روج" ... حد يروح باريس وميشفهوش؟ ... مادخلهوش آه ... لكن أشوفه من باب الفضول ... طبعاً ماعرفش هو فين لكن "منى" قالت انه فى شارع "بيجال" وهو على بعد محطة واحدة من مونمارتر ... نزلنا من السلالم الخلفية ل"بلاس داليدا" الى شارع رئيسى كبير ... كانت رجلى واجعانى جداً اليوم ده ... وبالتالى ماكنش عندى استعداد اتوه ... فبالتالى كان لازم نتوه ... مشينا بلاد تشيلنا وبلاد تحطنا فى جميع الاتجاهات تقريباً لمدة حوالى نصف ساعة أو أكثر ... والدنيا مطرت شوية كمان ... فييييييييين على ما لقينا نفسنا فى "بيجال" ... كانت رجلى اليمين ساعتها غير صالحة للاستخدام تماماً وباعرج ... بس على مين؟ ... هنكمل يعنى هنكمل ... ومشينا فى "بيجال" ... ويا ريتنا ما مشينا فى "بيجال" ... فاكرين ال"رد لايت ديستركت" فى أمستردام؟ ... هوه بعينه بغباوته ... المحلات كلها على اليمين والشمال ملهاش غير اسم واحد - تم حذفه رقابياً بواسطة كاتبة هذه السطور اللى هى أنا - وبين كل محل من دول والتانى محل آخر ... المشكلة مش فى المحلات ... كلها فاضية ومتغطية بستاير... المشكلة فى اللى بيقفوا قدام المحلات ... بس بالليل ... الحمد لله ان احنا كنا الصبح والا كانت هتحصلى صدمة عصبية حضارية

وصلنا "مولان روج" بطاحونته الحمراء الشهيرة ... ملهى ليلى محترم ... قديم جداً ... يعود تاريخ بناءه الى 1889 ... شكله لا يدل اطلاقا على الى حاجة ... مدخله كأنه محل صغير ومفيش غير يافطة بيضاء ... مايدلش أبداً على المسرح الكبييير اللى كان ظاهر فى فيلم نيكول كيدمان اللى بيحمل نفس الاسم

آخدنا المترو من أمام "مولان روج" الى سان ميشيل ... دخلنا محل "جيبير جن" للكتب القديمة اللى على ناصية الشارع اللى كلنا فيه الشاورمة امبارح ... محل"جيبير جن" له 8 فروع بحالهم مفرقة فى انحاء ميدان سان ميشيل وحده ... تستطيع تمييزه عن بعد بتندته الصفراء ... كل محل منهم متخصص فى نوع معين من الكتب أو العلوم ... دخلنا الفرع اللى فيه كتب متفرقة ... محل ضخم من عدة طوابق ... كل طابق له تخصص معين من الكتب ... تاريخ وطب وأدب ... إلخ ... اخدنا لفة سريعة جداً ... غاظنى جداً ان الكتب كلها فرنسية ... مفيش انجليزى خااااااالص ... غاظنى أكتر انى كل سنة أقول هحسن مستوايا فى اللغة الفرنسية ولسه معملتش حاجة ... مش كان زمانى عرفت أستغل وجودى هنا؟

نزلنا من المحل ودخلنا الشارع الجانبى نفسه ... وقفنا عند محل مخبوزات وطلبنا "كريب" بالجبنة ... كانت الساعة حوالى 2 ... قعدنا داخل المحل ثم ان "منى" خلصت أكل بسرعة و قالتلى هتروح تلف فى المنطقة بسرعة تشوف لو فيه محل شنط سفر ... بقالها كام يوم محتاسة عايزة شنطة ضرورى لأن شنطها مش مكفية الحاجات اللى اشترتها كلها ... خلصت أكل وماكانش ينفع أفضل قاعدة فى المحل لأن المكان كله كان عبارة عن كاونتر و3 كراسى ... طلعت استناها على ناصية المحل ... وقفت حوالى ربع ساعة عدت عليا كأنها ساعة كاملة ... الموبايل فصل شحن فمش عارفة أكلمها وابتديت اتوتر ... بدون سبب فى الواقع لأنها متأخرتش كتير لكن أنا اللى كنت مشدودة وتعبانة وألم رجلى هيموتنى ... حاولت أكتم مضايقتى لما جت بس كان باين عليا أكيد ... الموضوع عدى الحمد لله لكن كنت متضايقة من نفسى أكتر من التوتر اللى كنت فيه ... تقريباً بداية مظاهر اكتئاب رجوعنا بكرة لمصر ... حالتنا الصحية احنا الاتنين عموما كانت ابتدت تتدهور ... حتى فى صور اليوم ده كان باين علينا آثار الارهاق بشدة ... العيون نصف مفتوحة ... لونها أحمر ومنفخة وحواليها هالات سوداء ... والوشوش صفراء شاحبة ... والابتسامات للكاميرا طالعة بالعافية ... باختصار محتاجين عمرة أول ما نرجع مصر ان شاء الله

ركبنا المترو من سان ميشيل حتى محطة "جيسو" القريبة من معهد العالم العربى ... كنا هنزور جامع باريس علشان "منى" ماشافتهوش قبل كده ... ركبنا أوتوبيس 67 اياه حتى محطة الجامع ... للمرة الثانية نفس السيناريو ... لكن المرة دى حفظت بقى الفرق بين الكافيه والموسكيه ... النهاردة الجمعة ووقت صلاة الجمعة وكان المدخل زحمة ... الستات فارشين سجاجيد الصلاة فى صف واحد خلرج القاعة باتجاه الجنينة المواجهة للمدخل ... قعدنا هناك نسمع الخطبة ... الإمام بدأ الخطبة بلغة عربية سليمة 100% ... ثم فجأة دخل شمال بالفرنسية وكمل على كده! منطقى ... لكن غريب عليا اسمع خطبة الجمعة بالفرنسية ... دانا باسمعها بالعربى وساعات باسرح واتوه من الامام فى النص ما بالك بخطبة فرنسية؟


خرجنا من الجامع وعدينا الشارع فوجدنا بالصدفة حديقة النباتات – جاردان دى بلانت – فى مواجهة باب الكافيه مباشرة ... دخلنا نبص عليها بسرعة ... جنينة زى كل جناين باريس اللى تعقد بخضرتها وألوانها الزاهية وزهورها المتناسقة ... اخدنا كام صورة هناك من طرف الجنبنة ومشينا ... مفيش وقت
اخدنا الباص من قدام الجنينة ونزلنا فى مكان غلط ... مش فاكرة كان فين لكن غالباً "شاتليه" ... ومشينا مسافة لحد أقرب محطة مترو ... آه ه ه يا رجلى ... كنت ساعتها وصلت لمرحلة انى بتسند على البنت الغلبانة فى طلوع ونزول السلالم ... ليه اليوم ده بالذات دوناً عن كل الأيام اللى نتوه فيه مرتين ورا بعض؟ ... وغير ان البنت الغلبانة كانت مستحملة العرج اللى كنت فيه ... اضطرت تستحمل حاجة تانية طول الوقت ... انى موسوسة شوية ومقدرش ألمس أى حاجة فى المترو ... ولا حتى أفتح الباب للنزول – بعض المتروهات هناك بيبانها مبتفتحش أوتوماتيك لكن فيه حاجة زى "شنكل" الشيش بتاع زمان كده بتفتحه من جوة لو عايز تنزل أو من برة لو عايز تركب - باستخدم أطراف أكمامى أو استنى لما حد يفتح ... وعن الامساك بالعامود عشان ماقعش فا يا إما أسند بضهرى يا إما أعمل زى ما عملت معاها ... أمسك فى شنطتها طول الوقت زى الأطفال – البنت ماكانتش مصدقة أنى بتكلم جد تقريباُ ... والله خايفة الموضوع ده يتدهور وأصحى فى يوم ألاقى نفسى زى "مونك" ... الموضوع بدأ بالمترو ودلوقتى مبحبش أدوس على زراير الأسانسير فباستخدم مفتاح الشقة أو اى حاجة فى ايدى للضغط عليهم ... ربنا يستر

نزلنا فى محطة "لافاييت" أمام مبنى الأوبرا عند تقاطع شارعى "لا فاييت" و"هوسمن" ... كلاهما شارعين تجاريين كبار ... زحمة قوى بالناس والعربيات على حد سواء غير كل مناطق باريس – باستثناء الشانزليزيه
جاليرى لافايت هو مركز تجارى كبير ... لأ ... كبير دى كلمة تتقال على سنتر زى سيتى ستارز عندنا فى مصر كده ... أو سان ستيفانو فى الاسكندرية ... لكن لما تضرب واحد من دول فى 10 يبقى الوصف الأدق لجاليرى لافيت هو "رهيب" ... "خرافى" ... "مهول" ...أو أى كلمة من هذا الوزن ... هو مش مبنى واحد بل 3 مبانى على مساحة شاسعة بين تقاطع الشارعين السابق ذكرهما ... دخلنا المبنى الرئيسى الكبير ... أول ما دخلت صعقت بكمية البشر ... وصعقت أكتر بكمية العرب ... تقريباً 50 من الموجودين كانوا عرب ... خليجيين وسعوديين ومصريين كمان ... حتى اننا اخدنا دليل المكان مطبوع باللغة العربية عند دخولنا ... المبنى على ارتفاع 8 طوابق ده غير واحد تحت الأرض ... كل طابق مقسوم نصفين ... كل نصف مخصص لنوع محدد تقريباً من المعروضات و الدور الأرضى مخصص للبارفان والمكياج والمجوهرات والساعات ... كفاية تبص على الدور الأرضى ده بس من فوق ... بكل بريق الساعات والمجوهرات الى جانب بريق اسامى الماركات العالمية ... يجيلك هوس ... ومتحاولش تشترى حاجة ... لأن الأسعار هناك أكيد مش فى مستوى الطالب المتوسط ... أذكر اننا مسكنا بادى ... عادى يعنى .. قطن ونص كم ومفيهوش أى ابداع ... كان ب 150 يورو ... يعنى 1200 جنيه مصرى تقريباً
سقف المكان هو فبة هائلة الحجم مزخرفة بالزجاج الملون ... منظرها لوحده سبب كافى لزيارة المكان كله ... ثم اذا طلعنا الى سطح المكان تكون على قمة تسمح لك برؤية باريس كلها من منتصفها ... وهو منظر مختلف عن رؤيته من الأملكن الأخرى اللى شرحتها قبل كده لأنك دلوقتى شايف اسطح المبانى كلها من ارتفاع متوسط ... كلها مستوى واحد تقريباً ... كلها نفس التصميم تقريباً ... كلها بيضاء ... وأكيد مفيش عشش فراخ وأحبال غسيل و70 دش فوق كل عمارة

افترقنا ... هى هتكمل شوبنج وأنا هارجع استريح شوية ... مش قادرة امشى أكتر من كده ... رجعت الأوتيل حوالى الساعة 6 ... أكلت وارتحت شوية ثم اخدت اللاب توب ونزلت اتمشيت لحد ماكدونالدز فى "افينيو واجرام" ... كان لازم ادخل على النت عشان ألغى حجز تذكرة القطار اياها اللى معادها بكرة من لاهاى الى باريس ... سألت العامل اذا كان فيه "واى فاى" ... تنح ومفهمش ... شاورت على اللاب توب وقلت "انترنت؟" ... قال "آآآآه ... وى فى" ... أوووووه ... باردون! ثقافتى انجليزى من ورا "لا فاش كيرى" ... والله محدش ادانى خبر انكوا بتنطقوها كده

قضيت فترة فى ماكدونالدز وبعدين "منى" كلمتنى وكانت رجعت الأوتيل ... رجعت عشان أسيب اللاب توب ونزلنا ... كانت الساعة 10 والشمس بتغرب ... ركبنا المترو حتى محطة "جورج سانك" فى الشانزيليزيه ... اخدنا صور كتير فى الطريق للأماكن اللى كنا عايشين فيها طول الفترة اللى فاتت ... جنب يافطة شارع "بونسيليه" اللى فيه الأوتيل ... ويافطة "الشانزيليزيه" وحتى يافطة المترو اللى بتقول "خروج الشانزيليزية وجوروج سانك" ... كنت عايزة ادخل "فناك" اشترى سيديهات ... سبقتنى لأن أولاد خالها كان المفروض يقابلوها فى "ليون دى بروكسل" اللى كننا هنتعشى فيه ... حصلتها بعد نص ساعة ولقيتها قاعدة لوحدها ... قرايبها ما جوش

مطعم "ليون دى بروكسل" هو مطعم سى فوود مشهور فى وسط الشانزيليزيه ... ليه 10 فروع فى باريس وحدها ده غير بقية المدن الفرنسية ... فرع الشانزيليزيه ده ليه قاعة كبيرة من مستويين فى الداخل ... ومساحة ضيقة على الرصيف المواجه محاطة بسور خشبى قصير وفيها حوالى 15 ترابيزة صغيرة كلهم لازقين فى بعض تقريباً ... طبعاً قعدنا برة ... مش سايبين مصر عشان نقعد جوة محلات احنا هنا ... كنا قاعدين احنا واللى جنبينا فى حوار واحد تقريبا بس اتنين بيتكلموا لغة آسيوية ما– على شمالى – و اتنين بيتكلموا انجليزى – على يمينى – واتنين بيتكلموا مصرى – احنا طبعاً ... كويس عشان محدش يبقى فاهم اللى جنبه بيتكلم فى ايه برضو ... مش عارفة ايه مشكلة المساحات فى باريس ... حتى الستات هناك مساحاتهم صغيرة ... كلهم حجم "بيتيت" كده وفى الرشافة المعروفة عن الفرنسيات! ... حاجة تغيييظ

طلبنا طبقين "مول" - بتشديد اللام -... بما انى ماليش فى السى فوود فكنت أجهل من دابة بالاسامى دى ... عرفت فى مصر ان ده كان "جندوفلى" ... لكن برضو معرفش ايه هو الجندوفلى ... وبما انى ما بحبش المأكولات البحرية بوجه عام باستثناء الجمبرى اللى بعشقه بجميع طرق اعداده ... فكان العشاء ده بالنسبة لى من باب التجربة البحتة ليس أكثر ونزولاً عن رغبة "منى" ... وجاء الطبق الموعود ... هو مش طبق بالظبط ... هو طاسة قطرها حوالى 30 سم ... مليانة جندوفلى – وللى مش عارف زيي هو عبارة عن محارة سوداء فيها كائن أبيض عصرت على نفسى جردل ليمون عشان أتقبل فكرة أكله – وجمبرى وحلقات من الكاليمارى وقطع من الطماطم ... جميل جداً ... مقدمين مع الوجبة الشهية دى جردل فاضى عشان نفضى فيه القشر ... طبعاً مارست طقوسى المعتادة فى المرات القليلة اللى اضطريت فيها آكل سى فوود بالطريقة دى ... الطقوس دى هى انى أقشر كل حاجة مرة واحدة ... وبعدين أغسل ايدى وبعدين ابدأ آكل ... أهلى بيتشلوا من طقوسى دى بس أعمل ايه؟ معرفش آكل وايدى مش نضيفة وأقدر أمسق المعلقة ... طبعاً مانساش أرفع القبعة ل"منى" ... يتطلب المرء الكثير من الصبر والفن والدقة حتى يستطيع ان يقوم بتقشير الجمبرى وتخليص الكائن الأبيض من محارته باستخدام الشوكة والسكين فقط ... وهو ما قامت به عن جدارة تحسد عليها ... طبعاً لم أجرؤ حتى على محاولة القيام بالمثل خصوصاً مع الحجم الرهيب للطبق الذى بدا بلا نهاية ... وصلت لنصه تقريباً وكنت هافطس من كتر الأكل – أو هى عصارة معدتى الرافضة لطعم الكائن الأبيض اياه
فى مصر عندى صور على ايميل لسوق الأطعمة فى بكين عاصمة الصين ... مش متخيلة لو رحت هناك ممكن يحصلى ايه من مجرد المناظر اللى بياكلوها ... دود القز وحصان البحر وتعابين وعقارب صفراء وعقارب سوداء وجراد ... أقسم بالله الحاجات دى موجودة بصورها وهى معروضة فى السوق زى أى سمك بلطى برىء... الحمد لله انها جت على قد جندوفلى فى باريس

خلصنا أكل الساعة 11:30 تقريباً وقلنا نروح نتمشى عند النوتردام وسان ميشيل ... آخر ليلة بقى كل سنة واحنا طيبين ... مشينا باتجاه محطة "جورج سانك" لقينا فى وشنا مين؟ قرايب "منى" اللى كان المفروض يقابلونا معديين بالصدفة قدامنا ... ايه هى احتمالات انك تقابل واحد قريبك فى الشارع فى بلد غريبة بدون ميعاد؟ ... المهم ... هما كانوا رايحين برج ايفيل ... ماكانوش عارفين أى حاجة فى الاتجاهات ولا المواصلات فسبتلهم خريطة المترو الوحيدة اللى كانت معانا ومشينا ... بمجرد نزولنا المترو "منى" كانت متوترة من غير خريطة معاها ... الواحد حقيقى اتعلق بالخريطة دى جداً ... قربت تلزق فى ايدينا من كتر ماحنا ماشيين بيها طول الوقت بقالنا اسبوعين ... وكل يوم تقريباً ناخد واحدة جديدة من ريسبشن الأوتيل لدرجة انى رجعت مصر بحوالى 6 نسخ منها مبعترة فى كل شنطة وجيب

نزلنا فى سان ميشيل ... الساعة حوالى 12 ... مش قلنا خلاص فقدنا؟ ... دى آخر ليلة يا عاااالم ... دى رابع مرة آجى المنطقة دى وتالت مرة فى ظرف يومين ... لكن أول مرة آجى بالليل ... أخيراً حققت رغبتى دى اللى كان نفسى أعملها من ليلة ما حاولت أروح مع "قطان" ليلة ما وصلت باريس
عدينا الجسر الخشبى الى ساحة النوتردام الأمامية ... المنظر تحححححححفة ... نهر السين بالأضواء على جانبى الرصيفين على ضفافه مع الكنيسة على يساره مضاءة بأكملها من فوق لتحت ... ناس كتير سهرانين فى ساحة المكان ... فيه رسامين بيرسموا بالفحم وناس بتعزف وناس بتتمشى ... لفينا حوالين الكنيسة كلها من ورا وعدينا كوبرى مرة آخرى الى الضفة التانية من النهر ... جو تانى خاااالص ... هدوء الليل وأنت بتتمشى على الكورنيش ... النوتردام بأضواءها اللى مدية روح شاعرية على المنطقة كلها ونهر السين تحتك ... الأكشاك الخضراء المشهورة على سور السين مقفولة ومطوية ... فى الصباح بتتفتح زى الشنط وبتكون معرض للكتب والمجلات القديمة والصور واللوحات من كل الألوان والأحجام ... بيسموها "بوكينيست" و دايما تلاقيها فى رسومات النوتردام زى اللوحة دى ... مفيش فى الشارع غيرنا تقريباً باستثناء الثنائيات اللى مقضينها جو رومنسى وأشياء أخرى اللى بنصادفهم كل فترة راكنين على جنب أو قاعدين على السور ... والله مانتو قايمييييييييين

رجعنا الى سان ميشيل ودخلنا الشارع اياه بتاع النهاردة الصبح ... الأسبوع اللى فات لما "منى" جت هنا مع جروب تانى من الأكاديمية شافوا الأطباق المكسرة فى المطاعم اليونانية بعد الطقس اليونانى المشهور بتكسير الأطباق على الأرض فى آخر الرقصة – أو السهرة ... معرفش كانوا بيعملوا ايه - ... حاولنا نروح هناك لكن لقينا المنطقة معظمها بارات وناس سكرانة ومهيسة ... لف وأرجع تانى ... كانت الساعة واحدة تقريباً ... يا مرك يا مهجة ... طبعاً مفيش مترو دلوقتى ... وقفنا فى محطة الأوتوبيس مش عارفين نركب اى خط ... وكمان معناش خريطة ... وصل أوتوبيس فسألنا السواق نروح الشانزيليزيه ازاى ... قال نركب الأوتوبيس مش عارفة كام وننزل "شاتليه" ونبدل لأتوبيس تانى ... وقد كان ... الأوتوبيس التانى نزلنا قدام شارع "لا بواتيه" بالظبط ... كانت صدفة سعيدة جداَ لأننا كان لازم نعدى على الأوتيل القديم نجيب الشنطتين بتوع "منى" اللى سايبنهم هناك ... دخلنا الرسيبشن الساعة 1:30 صباحاً نطالب بالشنط ... يا بجاحتنا يا أخى! الراجل مكنش طايقنا ... مشينا لأول الشارع مرة تانية ووقفنا تاكسى ... حتى لو معناش شنط كان مستحيل نمشى فى الشارع لحد الأوتيل فى الوقت ده

وصلنا الأوتيل الساعة 2 صباحاُ ... خبطنا على أونكل "قاسم" اللى كان بيقفل باب الأوتيل بالمفتاح وينام على الكنبة فى الريسبشن ويقوم يفتح للبنات الحلوين اللى راجعين وش الفجر – كان فاضل ساعة ونص بالظبط على الفجر فعلاً
كنا متفقين نرجع نوضب شنطنا عشان لو راحت علينا نومة ما نحتسش الصبح ... لكن طبعاً مكناش شايفين
قدامنا ... فقررنا ناخد بمبدأى فى الحياة ... هننام وبكرة الصباح رباح