Friday, July 25, 2008

المدينة الوردية - الجزء الأول - الهند 5


جاء "سنجاى" متأخراً عن موعده نصف ساعة كاملة ... كنا قد لملمنا خلالها كل متاعنا وجلسنا فى صمت ننتظره حسب الموعد المتفق عليه بالأمس وهو الخامسة فجراً لبدأ الرحلة الى مدينة "جيبور" التى تقع على بعد 300 كم من دلهى
جاء وحده فأخذ حقائبنا ووضعها فى السيارة وانطلق بنا فى شوارع الهند النائمة حتى وصلنا بعد دقائق معدودة الى مبنى قصير من ثلاثة طوابق فتوقف أمامه ونزل فأخذ حقائبنا حيث كنا قد اتفقنا على تركهم بمنزله حتى نعود من رحلتنا ... دقائق معدودة وعاد وورائة فتاتين واحدة فى الثامنة من عمرها والأخرى فى السادسة تقريبا يرتدين ملابس المدرسة الكحلية ويحملون الحقائب المدرسية على ظهورهم – خيل الى انهم فى مدرسة حافظ ابراهيم بشبرا مع الزى والحمل الثقيل الذى ينوءون تحته... يا ترى هل ترك د. وزارة التربية والتعليم فى مصر ليتولاها هنا؟ - ... عرفنا "سنجاى" بهم ان الأولى هى ابنته الكبرى "سانيا" والصغرى هى"بارى" فوقفت اتبادل معم أطراف الحديث وهم فى انتظار أتوبيس المدرسة حتى جاءت "مهرو" أخيراً فى نفس التوقيت تقريباً الذى وصل فيه الأتوبيس فودعتنا الفتاتين بروح محبة وهم يدعوننى "دى-دى" وهو لقب يطلق على الأخت الكبرى ... وركب كل فى طريقه

انطلقنا بالسيارة وكانت الحياة قد بدأت تدب فى الشوارع مع تخطى الساعة السادسة ... لأول مرة أرى تلك المدينة بدون الازدحام الشديد الذى ينتشر فى كل ركن فيها يومياً ... قال "سنجاى" انه سيمر على بيت أخته فى "هاريانا" فى لطريق ليعطيها شىء ما ... بمجرد تخطينا الطريق السريع الرابط بين دلهى وهاريانا بدأت أتعرف على ملامح الولاية التى زرتها بالأمس فقط ... عير انه بدلاً من اتجاهنا الى "جورجون" حيث مقر الشركة دلفنا الى منطقة سكنية راقية تشبه فى تخطيتها ومبانيها القصيرة البيضاء أحياء التجمع الخامس وبقية المدن الجديدة المحيطة بالقاهرة الكبري ... طبعاً أنا وأمى كنا نفرك أعيننا بقوة رغبة فى الافاقة من هذا الحلم ... كانت هذه "أنظف" مبانى رأتها أعيننا منذ أربعة أيام كاملين .. حتى أنها سألت "سنجاى" ان كان يوجد فنادق هنا أو حتى شقق للايجار! ... كانت الشقة الصغيرة هنا بمثابة قصر باكنجهام مقارة بالفندق الحقير والمبانى الكالحة المحيطة بنا فى كل مكان بدلهى
قضى "سنجاى" مهمته ثم استأنفنا الرحلة ... لم تمض فترة طويلة حتى كنا عند البوابات حيث البداية الحقيقية للطريق الى "جيبور" ... بعدها مباشرة قامت "مهرو" باخراج "تورموس" شاى وصبت لنا الشاى بحليب فى أكواب بلاستيكية يبدو انها تحمل عدة أكل كاملة مصاحبة لها ... ولفظة "شاى" هنا هى كلمة هندية ايضاً لكن تطلق على الشاى بحليب مثل محافظات الوجه القبلى فى مصر
بعد فترة ... طلب "سنجاى" شيئاً ما من زوجته فاخرجت من حقيبة الأكل الكبيرة كيس أزرق اللون يبدو ككيس ال"تشيبس" وان كان أصغر ثم أفرغت له فى كفه بعض من محتويات الكيس وهى عبارة عن حبيبات صغيرة ترابية اللون والشكل فألفاها فى فمه دفعة واحدة ... ثم انها مدت لى يدها بالكيس ان "تفضلى" .. سألته ما هو فقالت انها أعشاب للمضغ تساعده – أى زوجها- على التركيز والانتباه ... مددت يدى لأخذ من الكيس – ذوقيا وليس لرغبتى الشديدة فى التجربة خصوصا بعد الأشياء العجيبة التى أكلتها مع "أتول" بالأمس – فاذا بشىء ينغرس فى ساقى بحدة ... كانت يد أمى وهى "تزغدنى" مع أرسال نظرة مرعبة جمدت يدى فى مكانها قبل الوصول الى الكيس ... سألتها بصوت حاولت ان يبدو طبيعيا عن السبب فقالت كلمة واحدة : "مخدرات!" ... طبعا كدت ان اسقط على الأرض من الضحك ... ثم مددت يدى وأخذت قطعة صغيرة من الحبيبات الترابية تذوقتها بلسانى فى حين كانت أمى تجز على أسنانها من الغيظ ... كان طعمها مثل التراب ايضا فى الحقيقة ... اكتفيت بمضغ القطعة الصغيرة ولم استكمل الجدال مع أمى ... لكن الحقيقة انى شعرت بعدها بشعور انتعاش مع دوار طفيف ... ربما هو ايحاء ... عموماً لقد علمت بعد عودتى ان هذا الشىء واسمه "بان ماسالا" له شقيق هو نوع من المخدر يشبه "القات" الذى "يخزنه" أهل اليمن – التخزين هو ان يضع المرء بعض من هذه الحبيبات فى ركن فمه ويبقيها كذلك فترة – ولكن ما أكلته أنا يبدو انه نوع "خفيف" منه لا يعطى تأثير المخدر! والله أعلم! وربنا ستر الحمد لله ولم أدمنه! أنا شربت حشييييييييش يا سعاد!

مرت الثلاثة ساعات التى تفصل بين "دلهى" و"جيبور" سريعا وصلنا أخيراً بعد حوالى 4 ساعات كاملة الى جبل عالى تبدو على قمته قلعة ضخمة يمتد سورها بطول منحدر الجبل أمامنا فيبدو كنسخة مصغرة لسور الصين العظيم ... قيل لنا ان تلك هى قلعة "أمير بالاس" وهى تعود الى عهد الموجول الاسلامى البائد وتم بنائها فى القرن ال16. ارتقينا بالسيارة الطريق الصاعد الى أعلى الجبل مروراً بين بيوت متوسطة الحال تشكل ما يشبه قرية جبلية حتى وصلنا الى القمة فاذا بسور القلعة أمامنا مباشرة ... انحرفنا يساراً بمحاذاة السور حتى وصلنا الى ساجة فسيجة لانتظار السيارات تطل على هاوية الجبل فركنا السيارة وترجلنا. ذهبت أنا فاعتليت السور القصير أمامنا فاذا بى أطل على قرية كبيرة تحتنا وعدد لا بأس به من المعابد الهندوسية القديمة بشكل سقفها القمعى المعروف المنتشرة تحتنا هنا وهناك
عدنا أدراجنا سيراً على الأقدام الى أول الشارع الذى دخلنا منه حيث كان أمامنا السلم الحجرى الصاعد الى بوابة القلعة. وبجوار السور كان هناك شاب هندى يقف وراء ما يشبه قدرة فول كبيرة ملفوفة بقماش أحمر ثقيل. كان هذا هو ال"كولفى" ... نوع من الآيس كريم المحلى له طعم شنيع لا أنصح بتجربته اطلاقاً (خصوصاً بعد ال "هاجن داز" فى أوروبا حيث لا وجه للمقارنة بالمرة)
ارتقينا السلالم الحجرية ثم عبرنا الى داخل القلعة عبر البوابة الرئيسية التى تدعى "سوراج بول" – أعتقد ان معناها بوابة الشمس - فاذا بنا داخل ساحة شديدة الاتساع ... فى صدرها عدد من الأعمدة المسقوفة وعن يمينها مبنى طويل من طابقين وله درجين منفصلين ... أما عن اليسار فهى أرض فضاء تمرح فيها مجموعة من الأفيال المزينة بالأقمشة فاقعة اللون على ظهورها والأصباغ الملونة على رؤوسها وخراطيمها. هذه الساحة تدعى "جالب شوك" ويقال ان فى الأزمنة القدية كانت تلك الساحة تستخدم لمسيرة الاحتفالية بالجيوش العائدة الى المدينة
تجولنا قليلاَ تحت الساحة المسقوفة ثم اتجهنا الى الدرج الأيمن للمبنى الكبير على يمينتا ... بضع درجات وكنا أمام باب أبيض ضخم بخارجه وعلى الأرض عدد كبير من الأحذية والمفهوم طبعا ان علينا خلع الأحذية قبل الدخول ... فهذا هو معبد "كالى" المشهور بتماثيله وأبوابه الفضية ... وتقول الأساطير ان مشيد القلعة والمعبد المهراجا "مان سينغ" كان يعبد الإلهة كالى ... فظهرت له فى المنام وأمرته باستعادة تمثالها من بطن بحر "جيسور" – موقعه الآن فى بنجلاديش – وان يضعه أى التمثال فى معبد يليق به فكان ان فعل المهراجا ذلك وقام ببناء هذا المعبد لحفظ التمثال المذكور... خلعنا الأحذية ودخلنا متجهين اتجاهاً اجباريا لا خيار غيره الى اليسار من المدخل... على الرخام الأبيض البارد الملمس وقفنا وسط ساحة صغيرة فى صدرها منطقة يتجمهر عندها الناس ... أمامها يتدلى من السقف جرس فضى كبير ... يقرعه الداخل مرة واحدة قبل ان يتقدم الى تلك المنطقة المقدسة المفصولة عن الساحة والجمهور بسور قصير ... أما ما تحتويه هذه المنطقة فهو عدد قليل من التماثيل الفضية البراقة للآلهة "كرشنا" وعيره ...وكان الزوار من الهندوس يتقدمون فيصلون أمامها لبضع لحظات إما وقوفاً أو جلوساً على ركبهم ثم يقومون فيتقدمون من رجل يحمل فى إحدى يديه طبق به شىء من الصباغ الأحمر اللون وبيده الأخرى يضع نقطة صغيرة باصبعه الملطخ بالصبغة الحمراء على جبهة المصلى – من باب المباركة
خرجنا من المعبد ونزلنا الدرج لنعتلى الدرج الآخر الموازى له فوصلنا الى بوابة علوية عبرت بنا الى ساحة أخرى بمنتصفها حوض منخفض يبدو انه كان فى يوم من الأيام مستقر لزروع ونباتات الا انه الآن يحتوى على تربة رملية فقط ... وعن اليمين هناك مبنى به عدد من النوافذ الزجاجية التى يظهر فى احدها كرسى من الكراسى التى كان يجلس عليها الأمراء ويحملها العبيد على أكتافهم ... أما على اليسار فمبنى صغير من طابق واحد مقسم الى عدة غرف... هذا يدعى "شيش محل" ... وهو مزخرف من الخارج بقطع من المرايا كانت تلتمع تحت ضوء الشمس من أرضية المبنى حتى سقفه ... ويستطيع المرء فقط ان يتخيل كيف يبدو هذا المبنى شاهق البياض عندما ينعكس ضوء القمر على مراياه الدقيقة فى الليالى المقمرة!
استغرقت الجولة فى القصر ما يقرب من الساعة والنصف ... انطلقنا بعدها الى السيارة لنستكمل الرحلة الى داخل مدينة "جيبور" نفسها ... فالقلعة تقع على بعد احد عشر كيلومترات خارج المدينة ... فى الطريق مررنا بموقع آخر قريب من القلعة وفى طريق نزولنا من على الجبل به مدفع حربى قديم ربما هو أضخم مدفع فى العالم ... يقال ان الذى كان يلقمه بالبارود كان مصاباً بالصمم الدائم!
ما ان نزلنا من على الجبل حتى كنا على طريق يختلف اختلاف تام عن الطريق الصاعد الى الجبل... فهو الآن كورنيش فسيح نظيف يحده الجبل يميناً وبحيرة تدعى "مان ساجار" يساراً ...وعلى بعد بضعة كيلومترات توقفنا مرة آخرى أمام مشهد من أشد المشاهد التى رأيتها روعة حتى الآن ... ففى وسط البحيرة ... وعلى مرمى بضعة أمتار من سور الكورنيش كان يقف هذا القصر الصغير الغارق فى مياه النهر فلا يظهر منه سوى طابق واحد وهو خامس أربع طوابق غرقت تماما تحت المياه ... ذلك هو "جال محل" ...القصر الغارق الذى تم بناؤه خصيصاً من أجل رحلات صيد البط الملكية فى القرن الثامن عشر
كان هناك عربة من عربات الباعة الجائلين استرعت انتباهنا بجوار الكورنيش فى هذه المنطقة ... فهى مغطاة بعدد لا بأس به من مختلف أنواع الفاكهة والخضروات والموالح ايضاً ... وكان ما يتم بيعه جد غريب! ... فالبائع يقوم بتقطيع خليط من كل تلك الآشياء ليصنع طبق من ال "فروت سلاد" مع فارق المكونات التى تحتوى على خليط عجيب من التفاح والبرتقال والجوافة والخيار والفجل والطماطم ... وفوق هذا كله يقوم البائع برش الملح والفلفل وخليط آخر من البهارات عليه! ولله فى ذوق خلقه شؤون!






وبعد ... أخيرا وصلنا "جيبور" ... "جاى" تعنى "النصر" و "بور" تعنى "مدينة" ... فهى "مدينة النصر" ... و"جيبور" هذه هى عاصمة مقاطعة "راجستان" – بتعطيش الجيم – التى تعتبر الكبرى بين مقاطعات الهند الثمانية وعشرون ... وهكذا أصبحنا فى المدينة الوردية ... وكانت بالفعل اسم على مسمى ... فعند مدخل المدينة تستقبلك بوابات حجرية وردية اللون بدت لى كقطعة من أفلام سندباد ... أسرتنى المدينة من أول لحظة حتى شعرت انى أركب بساط طائر وليس سيارة "سنجاى" التاتا! ... الحقيقة انى لا أعرف من أى بوابة دخلنا ... فالمعروف ان للمدينة ثلاثة بوابات هى الشرقية والغربية والشمالية بالتحديد ... وهى تعد – كما قرأت – من أجمل وأحسن المدن تخطيطاً حيث تمتاز بشوارعها العريضة المستقيمة التى تتجه من الشرق الى الغرب ومن الشمال الى الجنوب
عبرنا البوابة فاذا بنا فى شارع عريض تصطف على جانبية المحلات من طابق واحد فقط فتستطيع ان ترى الشارع باكمله على امتداد بصرك فلا يعوق رؤيتك أى شذوذ فى الارتفاع ... أخيرا وجدت شىء مختلف انبهر به فى الهند أم العجائب! ... لكن بعد أقل من 10 دقائق كان لى موعد مع انبهار آخر! "هوا محل"!!! ... فى منتصف هذا الشارع تقريبا وعلى الجانب الأيمن من الطريق يقع هذا المبنى الهائل المكون من خمس طوابق من الحجر الرملى الأحمر الوردى والذى تتشكل واجهته بالكامل من مجموعة دقيقة من النوافذ يبلغ عددها 953 نافذة و التى كان يستخدمها "الحريم" لمراقبة الحياة اليومية فى الشوارع بدون ان يراهم المارة وهو نفس مبدأ المشربيات فى المعمار الإسلامى وقد تم بناء تلك الواجهة لتماثل تاج الإله الهندوسى "كرشنا" ... لا داعى طبعا لشرح معنى الاسم الذى يعكس مهمة تلك النوافذ الدقيقة فى تمرير الهواء بجميع انحاء القصر فيظل بارداً حتى فى أشد الشهور حرارة
نزلت مع أمى و"مهرو" من السارة فى حين بقى "سنجاى" هناك وتوجهنا عبر ممر من المحلات الى الناحية الخلفية من القصر حيث البوابة الرئيسية التى عبرنا منها الى ساحة واسعة يحيط بها البناء الوردى من ثلاثة جهات ... وكان هناك مدخل على اليسار لسلم ... لا آسفة ... هو "مطلع" يؤدى غرض السلم الا انه يتكون من منحدرات بدلا من درجات السلم ... وهو فى رأيى المتواضع تصميم عبقرى يجمع بين البساطة والسهولة فى الاستخدام خصوصاً لكبار السن ... كان مما لاحظته ايضا وجود الكثير من الكتابات على الحوائط على طريقة "ألف – قلب – ميم" – يعنى "أحمد بيحب منى" .... أو لأنهم هنود فيجب ان تعنى " أنكور بيحب ميجنا" أو شىء من هذا القبيل – غريب جدا مدى التشابه بين الثقافتين الهندية والمصرية خصوصاً عندما نتحدث عن الفوضوية وثقافة التخريب!
وصلت الى الطابق الأخير فاذا بى أقف فوق مدينة "جيبور" باكملها! المنظر أكثر من رائع حيث ترى كل تفاصيل المدينة الدقيقة بمبانيها الوردية قصيرة الارتفاع وشوارعها الطويلة المستقيمة المتجاورة والمتعامدة كأنما رسمت بالمسطرة ... ومن بعيد أرى موقع ال"جانتر مانتر" الذى قرأت عنه ... وهو عبارة عن مجموعة من الآلات الهندسية القياسية التى كانت تستخدم لحساب الوقت والتنبوء بكسوف الشمس ومتابعة مدارات النجوم والعديد من القياسات الفلكية الآخرى





كان هناك مكان للجلوس فيما يشبه الشرفة بالدور قبل الأخير حيث جلست أمى و"مهرو" ينتظرانى ريثما ألتقط بعض الصور ... نزلت اليهما فادركت لما سمى المكان "هوا محل" ... فالهواء بالفعل يدخل من النوافذ الصغيرة من ثلاثة جهات فيملأ المكان كله بنسيم بارد جميل .... كان هناك سيدة أجنبية قد استلقت على متكأ تحت أحد النوافذ ويبدو ان "الهوا سطلها" ...!
نزلنا من القصر وتوجهنا الآن الى داخل المدينة ... خرجنا من البوابة المقابلة للباوار الكبير الى شوارع رئيسية أخرى لا يميز أبنيتها اللون الوردى اياه بل يغلب عليها اللون الأبيض ... مررنا بميدان كبير يتوسط شارع عريض تصطف أشجار شاهقة على جانبيه حتى وجدنا فى مقابلة هذا الميدان مبنى أبيض عريض هو ال "سيتى بالاس" أو قصر المدينة الذى تحول الى متحف الآن ... أو هو ليس المبنى كاملا بل واجهته فقط ... لم نستطع الدخول لأنه كان مغلقاً فى ذلك اليوم لكن ما سمعته ان القصر يحتوى على العديد من الأبنية والساحات والدواووين – تقسم قاعات الجلوس فى معظم القصور الهندية الى دواووين خاصة أى غرف لأهل البيت تسمى "ديوان-ى-كاص" ودوواوين عامة أى غرف للزوار والعامة و تسمى "ديوان-ى-آام" - الى جانب المساحات الشاسعة من الحدائق المحيطة به
عدنا أدراجنا الى البازار الذى أعرف الآن ان اسمه "جوهارى بازار" لكن تركنا السيارة فى ساحة انتظار عامة خارج البوابات ثم ركبنا "أوتو ركشة" – توكتوك – الى داخل البازار ... المحلات الوردية مصفوفة جنباً الى جنب بطول الطريق ولكل محل رقم مكتوب بوضوح على الواجهة المسقوفة التى تشبه الى حد كبير نظام البازارات الموجودة فى بورسعيد وشارع محمد على وبعد الأماكن فى الاسكندرية ... وليس عندى تفسير لذلك سوى التاريخ المشترك من الاستعمار الانجليزى




كان هدفنا الأول الذهاب الى أى مطعم لتناول الغذاء ... سأل "سنجاى" السائق على مطعم "حلال" من أجلنا ... فأخذنا الى مطعم أقرب صورة أستطيع ان أقرب مستواه بها لك هى صورة مطعم "الجحش" بالسيدة زينب وان كان الأخير يبدو ك"سيلنترو" فى نظافته بالمقارنة بذلك المطعم الهندى!!! طبعاً كانت أمى على وشك الإغماء من المشهد فعدلنا جميعا عن فكرة الأكل ال"حلال" وقررنا الالتزام بالأكل النباتى المتوفر فى كل مكان ... وقد كان ... فتوجهنا بترشيح "سنجاى" الى مطعم كبير يدعى "إل.إم.بى" ... هو فى الحقيقة مجمع يتكون من فندق ومحل كبير للحلويات الهندية ومطعم ... كان المكان شديد النظافة – طبعاً بالمقارنة بكل ما رأيناه خلال الأيام السابقة ... كان هذا يبدو كالريتزفى بريطانيا!
ما ان استقرينا على إحدى الموائد حتى تركنا "سنجاى" وذهب ليستأجر لنا حجرة فى الفندق ... عاد ليبلغنا بالسعر وكان – لدهشتنا – سعراً قليلا مقارنة بالفندق فى "دلهى" ومستواه ... وبعد ان فرغنا من الغذاء توجهنا الى الفندق لتفق الحجرة فكان ان زادت دهشتنا! العاملون يرتدون "يونيفورم" – فى الصورة "البواب" ... حيث يتميز الرجال فى الثقافة الراجستانية بالشوارب الطويلة كعلامة على الرجولة! - وهناك مصعد وباب الغرفة يفتح بالكارت الممغنط والغرفة نفسها شديدة النظافة ذات أثاث "مودرن" .... يااااااااه ... أخيراً أشعر اننا عدنا الى القرن الواحد وعشرين واننا خرجنا من فيلم "أمر أكبر انطونيو" الذى كنا نعيش فيه منذ وصولنا الى الهند!!!
تركنا الفندق وأنا أكاد أطير من الفرحة ... كانت الشمس تقترب من الغروب حين بدأنا الجولة الحرة فى السوق الكبير ... مررت بالكثير من الأشياء الغريبة ... فمثلاً هناك تلك الأقراص الكبيرة البنية من سكر القصب ... وهناك محل مثل محلات العصير عندنا لكنه يبيع مشروب من الزبادى يصبه من آناء فخارى كبير فى أكواب فخارية طويلة ... وهناك صناع الحلوى باياديهم الشريفة - لا أملك سوى ان أصاب بوعكة "لحظية" فى معدتى حين أتخيل الأكل من هذا الاناء! - وهناك الكثير والكثير من محلات الحلى من كل الأشكال والألوان ... فالمعروف عن النساء فى الهند حبهن الشديد للحلى خصوصاً الألوان الصارخة منها! – وهو شىء لم أفهمه ابدا الا انها ثقافات وأذواق!
أما الطامة الكبرى فكانت حين نظرت أمامى فوجدت هذا المشهد الذى لم أجرؤ على تصويره فأنا لا أعرف منظور الناس هنا لمن يصورون الرجال بالحمامات العامة!! نعععععععععم ... كان بإمكانى تصويرهم بالحمامات العامة أى والله العظيم ... الموضوع سهل جداً نظراً لأن هذه الحمامات لا سقف لها ولا باب ... هناك فقط جدار يفصل بين كل "حمام" والآخر الى جانب جدارين ساترين من الجانبين الأيمن والأيسر ... !!!أى ان الموضوع لا يعدو كونه بديل صناعى "للشجرة" التى يستخدمها السائقين على جانب الطريق الزراعى عندنا

Thursday, June 26, 2008

من العتبة الى القرية الذكية رايح جاى - الهند 4

هل تتخيلوننى أرتدى سترة جلدية وأضع على رأسى خوذة سوداء وأركب دراجة نارية خلف شاب هندى؟
هههههه ... حيلكم ... ما تسرحوش أوى ... صحيح انى كنت قاب قوسين أو أدنى من ذلك المشهد البوليوودى الخيالى الا انه لم يحدث قط ... القصة وما فيها ان "فينيش" هاتفنى البارحة وأخبرنى انه سوف يرسل صديقاً له يدعى "أتول" ليأخذنا فى جولة للعثور على فندق آخر ... بعد ان شكوت له من ضيق أمى بالغرفة التى تخلوا من النوافذ ومستوى الفندق العام ... وبالفعل وجدت رقماً غريباً يطلبنى فى المساء ... كان "أتول" هذا يتفق معى على اللقاء فى التاسعة من صباح الغد وأعطيته العنوان كاملاً ثم سألنى سؤالاً لطيفاً: "عندك مانع تركبى موتوسيكل؟" ... طبعاً لم يرى فكى الساقط مع سؤالى: "هتيجى تاخدنا على موتوسيكل؟" ... ضحك كثيراً قبل ان يشرح لى انه سيأتى بالسيارة من أجل جولة البحث عن فندق ثم سيقوم باعادة أمى الى الفندق ثم يأخذنى بعدها الى فرع الشركة – الشركة التى أعمل بها – حيث كنت قد وعدت الجميع بالزيارة اليوم ... ومن أجل ذلك فهو يفكر فى ترك السيارة والذهاب بالموتوسيكل كما تعود .... عرفت بعدها ان كثير من الهنود يمتلكون دراجات نارية الى جانب سيارتهم لانها اسرع وأوفر حيث ان الزحام هنا لا يطاق كما ان اسعار البنزين مرتفعة للغاية
طبعاً اعتذرت عن موضوع الموتوسيكل وقال هو انه لا يوجد مشكلة ... فناهيك عن انهم : "يجتلونى فى البلد يا ولد" لو فعلتها وتعلقت بوسط رجل غريب على موتوسيكل يقطع شوارع الهند هناك مشكلة الملابس حيث انى لا أملك سوى بنطالون جينز واحد وما دون ذلك هو جيبة من اجل الزيارات الرسمية مثل زيارة الشركة! ومع ذلك فقد ندمت على هذا القرار فى اللحظة التى وقع فيها عينى على "أتول" ... ففى التاسعة تماما من صباح اليوم الثالث نزلت أنا وأمى سلالم الفندق لنجد شاباً طويل القامة وسيم الملامح ينسدل شعره الناعم على عينيه فيزيحمها بحركة سريعة مع هزة من رأسه .... هو ده فعلا المشهد البوليوودى! يا نهاااااار! يعنى أنا كنت هاركب ورا ده؟ ضحكت أمى كثيراَ متخيلة المشهد! - أنا بهزر مش باعاكس ماحدش يفهمنى غلط! - ... استقبلنا بابتسامة بوليودية وانحنى لامسا ركبة أمى ... نظرت لها فى اذبهلال بمعنى: "هو بيعمل ايه فى ركبتك" ... ضحكت وأخبرتنى ان "سنجاى" فعل الشىء ذاته بالأمس وأخبرها انها تعبير عن "طلب المباركة" من كبار السن كنوع من الاحترام والاجلال
عرفت منه اننا سنتوجه أولاً الى منطقة تدعى "كونوت بلايس" أو باختصار "سى.بى" وهو يعتبر مركز المدينة ... بمجرد ان دخلتا تلك المنطفة احسست اننى قد انتقلت الى بلد أخرى ... فالمبانى كلها بيضاء – أو على الأقل كانت كذلك فى يوم من الأيام – وقد تراصت على جانبى شوارع منتظمة تبدأ كلها من مركز واحد: دائرة ذات قطر شاسع من الأرض الخالية تتوسط الحى بحيث يصبح المكان كله كقرص الشمس تتفرع منه الشوارع كخطوط الأشعة فى جميع الاتجاهات
كان الطراز المعمارى للمنطقة كلها شديد الشبة بمنطقة السوق الافرنجى بمدينة بورسعيد المصرية ... سألت "أتول" ان كانت هذه المنطقة تعود الى فترة الاحتلال الانجليزى للبلاد فأجاب بالايجاب. الآن عرفت سر الشبه ... غريب جداً ان تلمس آثار احتلال احد البلاد فى أكثر من بلد على بعد المسافة والاختلاف الشاسع فى الحضارات بين البلدان المحتلة ... نفس الشىء تلمسه عند التعامل مع الجهات الرسمية هنا فى مصر أو هناك فى الهند ... نفس البيروقراطية الانجليزية المملة تلقى بظلالها على مستعمراتها السابقة بعد عشرات السنين من أفول شمس الامبراطورية البريطانية

كانت المنطقة تتميز بشىء آخر غير الطراز المعمارى ... ساحات الانتظار .... هللوايا! هذه البلاد تعرف ساحات الانتظار! بل وهناك ايضا تلك الفصيلة من البشر التى تتوالد اطراديا فى بلدنا الحبيب وندعوها فصيلة "السباس" –جمع سائس – وهم بشر طفيليون ينمون فى الشوارع المصرية وخاصة أمام جميع المصالح الحكومية والمبانى التجارية وعند وجود أى مبنى يزيد تردد الزائرين له عن عشرة أفراد فى اليوم ... وهذه الفئة الطفيلية من البشر تتغذى بشكل أساسى على أوراق البنكنوت لافظة بحدة وتعالى أى ورقة تقل عن فئة الخمسون قرشاَ ... وهى تستخدم عديد من وسائل الالتهام للحصول على هذا الغذاء أهمها طريقة البلطجة ... حيث يقوم الكائن الطفيلى بالظهور أمامك فجأة اذا ما سولت لك نفسك ان تتحرك بسيارتك قيد أنملة ثم يقف بطريقة معينة هى ما بين التظاهر بمساعدتك وبين التهديد بالويل والثبور وعظائم الأمور ان سولت لك نفسك ان تنطلق دون ان "تقب بالمعلوم"! ومن وسائلهم ايضاً "التناحة" وهى وسيلة شديدة الفاعلية خاصة مع الطبيعة العصبية الغير صبورة لأى سائق سيارة مصرى "يحترم نفسه" ... فيقوم الكائن من هؤلاء بالوقوف فوق رأس السائق تماماً ويتمتم داخل أذنه مباشرة بعدة عبارات سحرية من عينة "مع السلامة يا باشا" ... "ربنا يباركلك يا بيه" ... "كل سنة وأنت طيب" ... حتى تحولت مصر فجأة فى السنوات الأخيرة الى مستوطنة للبكوات والبشوات كما ان الاحتفال بعيد ميلاد كل مواطن دائر على قدم وساق فى جميغ أنحاء المعمورة وبشكل يومى

توقف "أتول" أمام العديد من الفنادق ... وكان يذهب ليسأل ان كان هناك غرف متاحة وعن الأسعار ثم يعود ليأخذنا الى الداخل ان وجد شيئاَ ... على كل هو لم يوفق الى ذلك سوى فى مرتين: مرة فى فندق لا يوجد به مصعد والغرفة المتاحة تقع فى الدور الثالث مما لا يناسب أمى صحياً ... والمرة الآخرى كانت فى فندق غرفه بلا نوافذ ... لا أعرف سر عدم وجود نوافذ فى معظم ان لم يكن كل مبان الهند! شىء غريب فعلاً ... المفترض ان أول شىء تسأل عنه عند دخولك أى مكان هو المنظر الذى تطل عليه النافذة ... هنا السؤال أصبح: هل هناك نافذة من الأساس؟
بعد العديد من المحاولات الفاشلة نظراً لازدحام الغرف بسبب موسم الأفراح كما ذكرت آنفاً, توقف "أتول" أمام احد المحلات ليسأل ان كان هناك أى فنادق آخرى فى المنطقة فأسار اليه الرجل ان يتبعه ... تركنا أمى فى السيارة ثم سرنا خلف الرجل مسافة لا بأس به حتى أخذنا الى داخل أحد المكاتب السياحية ... استقبلنا رجل وآخذنا الى مكتبه الصغير بطرف المكان وأخبرناه بطلبنا فعرض علينا بعض منشورات الفنادق ... كانت كلها تزيد عن 5000 روبيه فى الليلة ... أى حوالى مائة دولار .... بعد حوارات وجدال طويل اتفقنا ان يحجز لنا فى أوتبل ب 4000 روبية فى الليلة ... كان هذا السعر يفوق ميزانيتنا بمراحل لكن لم يكن هناك مفر مع شكوى أمى المستمرة من فندقنا الحالى. أصر الرجل ان يأخذ كل النقود مقدماً ورغم اعتراضى دفعت مرغمة وأعطانى الإيصال مع المنشور الخاص بالفندق والذى يحمل عنوانه مع عدة صور لغرفه النظيفة ومكتب الاستقبال النظيف المختلفان كل الاختلاف عن فندفنا الحالى والذى يبدو مع المقارنة كبنسيون "الحسين" فى مصر – اذا أسعدك الحظ بزيارة منطقة الحسين أرفع رأسك قليلا وتطلع الى المبنى الموجود فوق محلات "المالكى" و "الدهان" فى الساحة المقابلة للمسجد العريق.
عدنا الى السيارة وانا فى صراع داخلى ما بين ارتياحى لانقضاء هم العثور على فندق مناسب وبين الميزانية التى دمرت بالكامل لكنى عموماً قررت بينى وبين نفسى ان احاول تناسى الأمور المادية حتى لا تفسد على بقية الرحلة أكثر مما هى مفسدة بالفعل
انطلقا الى الفندق الموصوف للتأكد من حالة الغرف وخلافه ... قطعنا ما يقرب من نصف مسافة العودة الى منطقة "راجورى جاردن" حيث الفندق الحالى حين دخلنا فجأة الى منطقة شديدة الزحام ضيقة الشوارع هى أقرب ما تكون الى منطقة "العتبة" فى القاهرة عرفت ان اسمها "كارول باغ" ... بدأ قلبى يخفق ... هل الفندق هنا؟
تبادلت مع أمى النظرات وعلى وجهى أعتى امارات التناحة فى حين "أتول" أوقف السيارة فى شارع جانبى على ناصيته محل أسماك حقير ... نزلت وقدماى لا تطاوعاننى ونظرت خلفى فاذا بالمبنى الموجود فى المنشور اياه ماثل أمامى ... الفرق الوحيد كان انه بدلاً من السماء الزرقاء النقية والأشجار الخضراء على جانبى المبنى الأبيض الجميل كان هناك مبنى أقرب الى الاصفرار منه الى البياض تحيطه مبانى قديمة كالحة اللون من الجانبين وأمامه على الرصيف المقابل أكوام من الزبالة!!!!!
حسبى اللللللله ونعم الوكيل! اللهى ينتقم منك يللى اخترعت الكمبيوتر جرافيكس اللى سمحتلهم يلعبوا فى الصور بالطريقة دى وينصبوا على السياح المختومين على قفاهم من أمثالنا!
قلت يا واد طنش خاااااااااااااااالص ... يمكن صور الغرف تكون صادقة ... بالفعل ما ان دخلنا الفندق حتى انتقلنا داخل صورة جرافكس ... نفس مكتب الاستقبال الصغير الأنيق مع لوبى ضيق لكن لطيف ... طلبنا مشاهدة الغرف فأخذونا – فى المصعد - الى غرفة نظيفة ذات أثاث حديث ومتسعة الى حد كبير. أخيراً تنفست أنا وأمى الصعداء وأخذنا نمنى أنفسنا بقرب تخلصنا من غرفة الفندق الآخر القميئة برائحتها اللعينة ... لكن الآن علينا العودة الى ذلك الفندق مرة آخرى حيث سأترك أمى وحدها لأول مرة فى تلك البلاد التى تركب الأفيال وأذهب الى محل العمل مع "أتول" كما اتفقنا
فى الطريق الى الشركة تبادلت أحاديث طويلة مع "أتول" عن كل شىء ... طبيعة عملى ومعارفنا المشتركة فى فرعى الهند ومصر ... كان يحب الرحلات وعنده خطط كثيرة للسفر فتحثنا كثيراً عن مصر وفرنسا وهولندا ... سألته أسئلة كثيرة عن كل شىء فى الهند وحكيت له طبعاً عن كل ما حدث لنا فى اليومين السابقين وضحك كثيراً على مغامراتنا مع سائق التاكسى اللعين بالأمس ... ثم انه سألنى ان كنت تذوقت الأكل الهندى بعد فأخبرته عن عشاء البارحة فقال لى انه يريد ان يأخذنى لتناول شىء خفيف من الأكلات الهندية الصميمة قبل التوجه الى الشركة ... وبالفعل وجدته يدخل الى ساحة انتظار عامة تحت أحد الكبارى ... ثم تبعته لنعبر الشارع المزدحم الى منطقة يبدو انها مدخل سوق محلى ... أعتقد ان اسمه "تيلاك ناجار" ... ولك ان تتخيل انه اذا كانت منطقة "كارول باغ" حيث فندقنا الجديد هى "العتبة" فان هذا السوق هو النسخة الهندية من "الموسكى" ... كما ترون فى الصورى فحتى "بدلة حمادة بجنيه" و"قميص أبو حمادة بجنيه" موجودين هناك ... لحسن حظى اننا لم ندخل الى السوق نفسه بل وقفنا على الناصية أمام هذا الرجل الأنيق بمحله المتنقل الذى يقابل عربات الفول عندنا ... أما ما يوجد أمامه فهو قطعة مدورة مما يشبه الخبز الناشف لكن ذات سماكة رقيقة جداً وفتحة من فوق ... وما يقوم به الرجل هو حشوها بيده الشريفة – الغير نظيفة أكيد – ببعض حبات الحمص الشامى المسلوق ثم يضيف عليها بعض من سائل أحمر ذا طعم حلو ثم يقوم بغمرها بيده الشريفة كذلك فى هذا الإناء الطويل الممتلىء بسائل حار الطعم يشبه عصير الليمون ويخرج يده فاذا بالقطعة المدورة ممتلئة بالخليط المتناقض من السائل الحار والسائل الأحمر الحلو فيضعها فى طبق ألمونيوم كما ترى من الصورة ويقدمها لنا ... أخذتها مرغمة مجاملة ل"أتول" – الله يقرفه – وصببت السائل الليمونى الحار فى الطبق ثم أكلت القطعة سريعا على قضمتين قبل ان أفكر كثيرا فى محتوياتها من جميع أنواع الجراثيم والميكروبات التى تعجز جميع موسوعات علم الإحياء عن جمعها فى مجلد واحد ... للمعلومة فقط وليس للاغراء بالتجربة هذا الشىء المأكول اسمه "جول-جب-با" أو "بانى بورى"... ربنا يشفى!
ظننت ان آخر ما فى جعبة "أتول" من "عزومات" قد نفد لكن هيهات ... لو لم يكن هندياً لأقسمت ان هذا الفتى هندى أصيل! ... مشينا مسافة عدة مبان بمحاذاة الشارع الرئيسى فكنا عند التاصية التالية وعلى رأسها محل كبير للحلويات ... الحقيقة ان الحلويات الهندية تشبه الى حد كبير جداً الحلويات الشرقية فى شكلها لكن نادراً ما تتفق معها فى الطعم ... فعندهم العديد من الأصناف التى يدرجونها تحت وصف "حلويات" رغم ان مذاقها مالح ... أشار "أتول" الى عدد من الأصناف معطياً اياى اساميها لكن طبعاً لم يعلق بذاكرتى منها سوى الصنف المسمى "حلوى" – أو "حلفا" بتعطيش الفاء كما يكتبونها – والذى أكلته فى الفرح بالأمس ... ثم أنه طلب قطعة من صنف ما يدعى "راسجوللا" – وهو ما بدى لسمعى كمن يقول "رزق الله" – وهو عبارة عن كرة بيضاء لا طعم لها تقريبا تغوص فى سائل أبيض شديد الحلاوة ... تذكرت اننى أكلت هذا الصنف من قبل ايضا فى الطائرة
سألنى "أتول" عن رأيي فى الأكل فرفعت له إبهامى بمعنى "سوووووبر" وأنا أجز على أسنانى وبصعوبة أمنع نفسى من إفراغ عشاء البارحة كله على الأرض كلما ومضت فى رأسى صورة الجراثيم الزاحفة على ما أكلته لتوى ... كانت تعبيرات وجهى هى تقمص محترف لوجه سمير غانم وهو يجلس أمام شيرين فى مسرحية المتزوجون وهى تقول له "كل ده من حلاوتها"!
وأخيراً وصلنا الى الشركة بعد قضاء حوالى ساعة أخرى فى الطريق ... فالشركة تقع فى مدينة تماثل "القرية الذكية" – مع عدم وجود أى نوع من الاجرائات الأمنية الموجودة فى تلك الأخيرة – فى اول طريق مصر/ الاسكندرية الصحراوى ... هذه المنطقة تدعى "جورجون" وهى مدينة من تجمع لعدة مدن جديدة "تحيط بنيو دلهى وتسمى المنطقة بالكامل ولاية "هاريانا
والداخل إلى "جورجون" هو فى الواقع يقوم بنقلة حضارية كاملة ... فالمكان يختلف شكلاً وموضوعاً عن دلهى ... سواء فى الأبراج الزجاجية المرتفعة التى تحمل أسامى أكبر الشركات العالمية مثل IBM … DELL … Ericsson وغيرها الى شكل البشر أنفسهم الذين يرتدون البدل وربطات العنق ... وان كان المشهد فى الشوارع المجاورة لا يخلو من بعض آثار شعب دلهى الطبيعى كما ترون فى الصورة
ما أن وصلنا الى الشركة حتى قام "أتول" بالاتصال ب"فينيش" يخبره بوصلنا ... صعدنا فى المصعد الكبير الذى يتسع ل 20 شخص على الأقل وكان "فينيش" على الباب لاستقبالى ... تركنا "أتول" ذاهباً الى مكتبه فى طابق آخر بينما أخذنى "فينيش" فى جولة سريعة حول المكان ... الحقيقة لا وجه للمقارنة اطلاقاً بين موقع الشركة فى الهند وموقعنا فى مصر ... أولاً مساحة الطابق الواحد رهيبة تتسع لأكثر من 800 موظف ... قال لى "فينيش" ان مثل هذه المبانى يتم انشاءها فى سرعة رهيبة لأنهم لا يقومون ببناء حوائط وانما فقط عواميد وأرضيات ثم يقومون بتقفيل جميع الجهات بالزجاج ... ثانياً الخدمات المتوفرة: مطعم كبير يخدم الموظفين وغرفة استراحة صغيرة بها "انتريه" جلد وشاشة بلازما يصل حجمها الى 70 بوصة تقريباً و –صدق أو لا تصدق – "فون بوث" للمكالمات الدولية!!
الحقيقة كان الاستقبال رائع من الجميع ... تعرفت على معظم من أتعامل معهم عن طريق التليفون والايميل فقط فى مصر كما قابلت عديد من الأشخاص الذين كانوا قد قاموا بزيارتنا من قبل فى القاهرة ... كما ان مدير الفريق الذى اتعامل معه هناك أعد لى مفاجأة لطيفة حيث وجدت اثنان من زملائى يدعوننى للنزول الى "كوستا" تحت المبنى لأقابل بقية الفريق ... وبالفعل وجد الفريق كله مجتمع ... من أعرفهم ولا أعرفهم ... وعرف الجميع انفسهم واحد واحد لكن طبعاً بعد 10 دقائق فقط كنت قد نسيت أى اسم يتفق مع أى وجه!
الحقيقة ان الهنود شعب مضياف وكريم الى أقصى الحدود ... فمقارنة بهم نحن المصريون نبدو كاليهود!
انقضى اليوم سريعا بين الزيارات والترحيبات حتى كانت الساعة السادسة ... موعد المغادرة فى سيارة الشركة مع "آرتى" ... فكل خمسة أو ستة موظفين مخصص لهم سيارة "مينى فان" للذهاب والعودة يومياً.
أما عن رحلة العودة تلك فحدث ولا حرج ... هى هجرة جماعية لجميع الحشود الجامعة من الموظفين العاملين بكل الشركات المتواجدة بجورجون ... فاذا عرفت ان شركتنا وحدها بها 1300 موظف فلك ان تتخيل حجم الجحافل المغادرة فى نفس التوقيت من "جورجون" الى "دلهى".
قضينا أكثر من ساعة تقريبا على الطريق السريع – وهو يدعى "سريعا" مجازا لأنه لا يفرق عن حالة محور 26 يوليو عندنا – حتى وصلنا الى دلهى ... ثم ساعة آخرى داخل دلهى كنت قد وصلت الى حالة من الاختناق والغثيان من فرط الزحام ونقص الأكسجين لم أعرفها أبداً فى أشد الأيام ازدحاماً فى القاهرة المحروسة حتى وصلنا أخيراً الى "راجورى جاردن" ... نزلنا فى الشارع الرئيسى مقابلين ل "سيتى سكوير مول" وأخذنا "ركشة" لمدة لم تزد عن ال10 دقائق حتى الى الفندق ... ودعتنى عندها "آرتى" لتركب الباص الى بيتها فى حين عدت أنا مرهقة لأتفقد أحوال أمى ... قالت انها تجولت قليلا فى الشوارع المجاورة والمول القريب ثم نامت معظم اليوم ... ثم اننا تشاجرنا بسبب شكواها من المكان والبلد والرحلة من أساسها فخرجت غاضبة ووقفت فى الشارع والجوع يقرصنى ... نظرت أمامى فوجدت "ماكدونالدز" ... دخلت وطلبت وجبة "ماك فيجى" النباتية آخذتها وعدت الى الغرفة ... أكلت الساندوتش الصغير الشبيه بقرص الطعمية ثم نمت فى صمت ... لا أريد التفكير فى الأيام القادمة



Tuesday, April 29, 2008

من خرج من داره ... يستاهل ما جراله ( الجزء االثانى) – الهند 3


تحرك التاكسى مرة أخرى عائداً إلى الشارع الرئيسى حيث نرى القلعة الحمراء مرة أخرى فسألت السائق هل نقوم بزيارتها أم لا فقال لى ان اليوم هو الاثنين حيث تكون مغلقة. بعدها بدقائق معدودة جائتنى مكالمة من "فينيش" مرة آخرى ينصحنى بزيارة مكان اسمه "نظام الدين دارجا" – ينطقونها "نيظامودين" – وهو – كما أخبرنى – مكان تمارس فيه الطقوس الصوفية ... ثم طلب منى ان أعطى الموبايل للسائق كى يشرح له الطريق ... ارتعشت يداى وانخلع قلبى من صدرى وأنا أسلم الموبايل كمن يسلم كفنه الى كتلة الجراثيم الجالسة فى المقعد أمامى ... تبادل معه كثير من الكلام وايماءات الرأس ثم مد لى يد معروقة قذرة سوداء الأظافر كلحيته النامية وشعرة الملزق بالفازلين يرجع الى الموبايل ... مددت يدى بقرف التقطه بواسطة منديل فى حين أخرجت أمى – أكرمها الله – زجاجة عطر من شنطتى فرششت الموبايل بالكامل ومسحته جيداً بالمنديل قبل ان أضعه بقرف شديد ايضاً على أذنى مرة أخرى لأودع "فينيش" ... بعد حوالى 15 دقيقة من السير فى الشوارع المقتظة توقف التاكسى فى شارع جانبى عريض وخالى نسبياً أمام "حارة" صغيرة وقال كلمة واحدة: "نيظامودين"!!! ... نزلت أنا وأمى ووقفنا أمام الحارة مذهولين فاغرى أفواهنا ... فلا شىء أمامنا سوى محلات – أو بالأحرى دكاكين – قذرة لا أعرف ولا أريد أن أعرف أصلاً ماذا تبيع أو ما تصنع ... وجميع من حولنا من الناس ينظرون إلينا كما لو كنا هبطنا من سفينة فضاء ونحمل هوائيات على رؤوسنا!
طلبت "فينيش" مرة آخرى ووصفت له المكان فقال اننا يجب ان نتوغل أكثر فى ذلك الشارع حتى نصل الى ضريح "نيظامودين" ... تحولت الى أمى لأشرح لها ملخص المكالمة فاذا بى أرى فى عينيها أعتى إمارات الهلع ... فقد تحولت نظرات الناس حولنا الى "زغر" وكان اثنان من الشحاتين المصابين بأشنع أنواع الأمراض الجلدية ليس بأقلها الجزام قد بدأوا يحيطون بنا مادين ايديهم باستجداء ... ذلك ومع انتباه عدد لا بأس به من زملائهم الينا وعقدهم العزم على الزحف المقدس الينا كما فعل الأولين ... فصار المشهد أرب ما يكون الى زحف الزومبى – الموتى الأحياء – فى فيلم "كوينتن تارنتينو" المقزز "من الغسق حتى الشروق" ... وكما حدث مع أبطال الفيلم المذعورين ... فزعت أمى وأخذت تجذبنى من كمى عائدة الى السيارة ولا شىء على لسانها سوى جملة واحدة: "على جثتى أدخل هنا" ... "على جثتى أدخل هنا" ... لعنت "فينيش" فى سرى ألف مرة ثم لعنت نفسى مليون أخرى على خروجى من باب الأوتيل اليوم
سار بنا التاكسى بعد ذلك الى معبد اللوتس ولم يكن ببعيد فتوقف بنا بجوار سور يحيط بحديقة واسعة يبدو فى وسطها مبنى أبيض شديد الجمال مصمم على شكل زهرة لوتس بالفغل ... بدا من بعيد أصغر بكثير من صوره على المواقع البهائية حيث انه أكبر معابد هذه العقيدة فى العالم ... نزل السائق وفتح لى الباب كى أترجل فسألته عن بوابة الدخول فقال : "مانداى مادام ... أول كلوزد" ... هذا ايضا مغلق؟ ... حسبتها فى سرى انى سأحتاج الى يوم آخر لأعيد زيارة المعبد والقلعة ... التقط بعض الصور فى عجالة ثم عدت للسيارة وسألته اذا كنا سنتوجه الآن الى "قطب منار" – تنطق "كوتوب مينار" – فأومأ برأسه ... سألته ان كان مفتوح للزيارة أم لا فأجاب ببساطة "مانداى مادام ... أول كلوزد" ... هنا كان قد طفح بى الكيل ... هنا ثرت فى وجهه .... اذا كان اليوم هو الاثنين وهو يعلم ان كل المزارات السياحية مغلقة لماذا لم يقل هذا من البداية؟ شعرت انى "بتختم على قفايا" وانه فصل آخر من مسلسل استغلال السائحين اياه فأخذتنى الجلالة واعطيته ما فيه النصيب ... ولأنه يعانى من فقر فى اللغة فلم يستطيع الرد فأشار الى الموبايل انه يريد التحدث الى أصدقائى الهنود ... فطلبت "آرتى" وكانت قد هاتفتنى منذ بضع دقائق ... فشرحت لها ما حدث وانى مستاءة من حركة "الاستهبال" التى تعرضت لها ثم ناولته الموبايل فأخذ يتحدث بضع دقائق فى حدة وان وضح من طريقة الكلام وحركات اليد والايماءات – اكتشفت فى هذه اللحظة انها بالفعل لغة عالمية – انه ينفى مسؤوليته عن الخطأ وانه أوصلنا الى حيث طلبت ... أعاد الموبايل اليه فتككرت عملية الرش و التعقييم السابق ذكرها بحذافيرها ثم عدت ل"آرتى" التى أخبرتنى انه يقول انه أخبرنى ان كل شىء مغلق فى بداية اليوم ... وكانت تلك هى القشة التى قسمت ظهر البعير ... انه ينصب على شىء وان يكذب فهو شىء آخر ... وقعته سودة ان شاء الله زى شعره! ... أقسمت بأغلظ الايمان ان اخصم منه نصف المبلغ المتفق عليه ولو أفضى الأمر الى الذهاب الى البوليس لو كانت هذه البلد تعرف البوليس ويانا يالسفارة فى قلب العمارة
بالفعل أعطيته توجيهات مقتضبة بالعودة الى الأوتيل وما ان نزلنا أمامه حتى أكتشفت انى لا أحمل سوى عملات من فئة ال 500 روبية فقط ولا شىء أقل ... فناولته ورقة منهم على مضض وأنا أقول فى سرى "حر ونار فى جتتك يا شيخ" ... نظر لى بتناحة – يا بجاحتك يا أخى – وقال "سيكس هندرد مادام" – ياخويا اشمعنى دى الى رطنت فيها بالانجليزى؟ - فاعدت على مسامعه الموشح اياه وكيف انه كذب على ولم يخبرنى من البداية إلخ ... فعاد يطلب 100 روبية مرة أخرى – ده جنان ده وللا ايييييه؟ - وكنت قد وصلت الى قمة الغيظ فقلت له بحدة "نو ... 500 ... بس" ... قلت "بس" فعلاً لأن لها نفس المعنى فى اللغة الهندية ... أى "كفى" ! ثم أدرت وجهى وتأبط ذراع أمى التى كانت فى حالة ذهول من بنتها اللى عمرها ما قالت "بم" لواحد مصرى وجت الهند "تشوط" فى خلق الله!
حين وصلنا الى باب الأوتيل تذكرنا فجأة – أى والله – اننا لم نأكل منذ الصباح واننا نتضور جوعاً الآن ... تذكرت انى قد رأيت مول شكله نضيف قريب من شارعنا فققرنا السير حتى هناك
استغرقت المسافى حوالى 7 دقائق على الأكثر ... كان المول نضيف بالفعل ... على مستوى سيتى سنتر فى مدينة نصر تقريباً ... كان هناك العديد من المحلات العالمية ... أزياء وملابس رياضية وأحذية وخلافه ... لككنا توجهنا الى الدور الثالث مباشرة حيث محلات الأطعمة – الفوود كورت - ... كان الشىء الوحيد المناسب والمضمون هناك هو "بيتزا هت" ... طلبت اثنين بيتزا كومبو وجلسنا ننتظر بفارغ الصبر .... آخر مرة أكلنا فيها كانت فى الطائرة بالأمس!
بجوارنا مجموعة من المراهقين يحتفلون بعيد ميلاد أحدهم ويدندنون لحن عيد الميلاد الشهير بكلمات هندية ... الجو العام لا يختلف بالمرة عن أى مول فى مصر ... ربما باستثناء الأزياء الهندية ذات الألوان الصارخة
ذهبت لاستلم البيتزا فصعقت ... نظرت للرجل فى بلاهة وهو يقدم لى علتين صغيرتين مع كوب قصير من الكولا وهو الحجم المعروف عندنا ب "هابى ميل" ... اخذتها وقابلت نظرة الذهول فى عين أمى بنظرة من نوع "احمدى ربنا فى يومنا اللى مش فايت ده" ثم اتينا على الحرث والنسل فى أقل من 10 دقائق حتى خفت ان أكون أكلت اجزاء من العلبة الكرتون! وكان هذا هو الدرس الثانى لنا بعد درس معاملة السياح : الوجبات فى الهند نسبة وتناسب مع حجم الهنود القصير الضئيل بوجه عام ... اتذكر ان "فينيش" كان يتعجب من هول حجم الوجبات فى مصر!
عدنا الى الأوتيل قبل دقائق قليلة من المغرب فصلينا الظهر والعصر جمعا وقصرا ثم انى رغبت فى التجول قليلاً فى الشوارع المجاورة بينما آثرت أمى النوم ... عبرت الشارع باتجاه المول الآخر المواجه لنا واسمه "تى. دى. آى" مول ... وكما عرفت بعد ذلك ان هذه ال"تى. دى. آى" هى من أكبر شركات الدعاية والاعلان وتمتلك عدد كبير من المراكز التجارية فى أماكن متفرقة من الهند ... والحق ان مستوى المول وفخامته تليق بهذا ... فالفرق بين "سيتى سكوير" مول الذى تناولنا فيه الغذاء وهذا كالفؤق بين "طيبة" و"سيتى ستارز" فى مصر .... فى المدخل قابلنى معرض لأحدث شاشات الكمبيوتر واللابتوب والآى بود ... وعلى يمينى احدث العطور العالمية وأكثر ساعات اليد والمجوهرات أناقة
بعد التجول لفترة قليلة بين هذه المعروضات ساقتنى قدماى الى مكتبة صغيرة اسمها "كروسوورد" وهى مكتبة ذات فروع كثيرة فى الهند مثل "دار الشروق" عندنا مثلاً ... وطبعاً كنت كطفل وجد نفسه وحيداً فى مدينة الملاهى ... فقضيت هناك مدة لا أدرى مدتها حتى جاءتنى مكالمة من "آرتى" تقول انها تنتظرنى الآن بالفندق
لملمت مشترواتى من الكتب سريعاً وعدت الى الفندق لأجدها تجلس مع أمى فى الغرفة يتحدثون بالاشارات طبعاً ... وكان أمامهما على المنضدة الصغيرة طبق تعوم فيه مكعبات صغيرة صفراء تبدو مثل الكعك الاسفنجى – ذكرتنى بالاسفنجة التى نغسل بها الصحون فعلاً وان كانت أصغر حجما – قالت "آرتى" انهها احضرتها من منزلها لنا ... قالت لى أمى بابتسامة عريضة على وجهها تخفى ما تقوله "دوقيها ... تقققققرف" ... استبشرت خيراً واضطررت أدبياً ان اتذوقها ... كانت , وهى ما يسمونها "دوكلا" هى أشنع شىء تذوقته فى الهند حتى الآن بالفعل ... لم يفرق طعمها الذى لا مذاق له ولا رائحة عن طعم اسفنجة الصحون المبللة بالفعل
قالت "آرتى" ان "سنجاى" قادم الينا هو وزوجته الآن .... قادم؟ قادم فين؟ ... يا نهاركو... نهارنا ... مش فايت! هما الحياة عندهم سون فاسون كده ليه ياخويا؟ ... والأخ "سنجاى" فعلا مكدبش خبر ... لم تمض 15 دقيقة حتى كان يطرق الباب ... قامت "آرتى" لتفتح الباب ودلف هو ليجلس على طرف السرير فى تلقائية شديدة ولتجلس أمامه امرأة قصيرة ممتلئة القوام بنية الشعر ناعمته ... انطلقت هذه – أى زوجته – فى الكلام فوراً معرفة نفسها باسم "مهروو" وبانها "رغاية قوى" على حد تعبيرها
كانوا حقيقة غاية فى اللطف والاهتمام حتى انهم عرضوا علينا ان يصطحبونا لزيارة بلدتى "جايبور" و "آجرا" (اذا لم نمانع صحبتهم) على حد تعبيرهم ... نمانع؟ كان هذا انقاذ حقيقى لنا ... فبعد تجربة اليوم فى التعامل مع سائقى التاكسى وكل قطاع السياحة فأنا افضل ان اكون فى صحبة هندى "ابن بلد" والا فلأقضى بقية الرحلة فى الأوتيل
كانت أمى منبهرة بلطف المعاملة والاهتمام والكرم الحاتمى الذى نتلقاه فصممت ان نرد ولو جزء يسير ونقوم بدعوتهم على العشاء ... بعد مجادلات طويلة بدت تماما كعادة المصريين حتى ظننت لوهلة ان " سنجاى" سيحلف علينا يمين طلاق انطلقنا الى الشارع وان ودعتنا "آرتى" لانها متعبة بعد يوم شغل طويل كما انها يجب ان تعود لرعاية أمها المقيمة وحدها
لم نبتعد كثيراً عن منطقة "راجورى جاردن" التى نقيم فيها وان كانت جميع الشوارع تقريباً تمتلىء بمظاهر الاحتفالات ربما أكثر من اليوم السابق ... مررنا بالعديد من مواكب العرس فى الطريق ... وموكب العرس هنا – صدق أو لا تصدق - لا يختلف اطلاقاً عن مفهوم "الزفة" عندنا ... لعل الاختلاف الوحيد انها تكون زفة للعريس فقط - قد تجلس بجوار العريس فتاة آخرى هى اخته او ابنة عمته/خاله - وهو فى طريقه لملاقاة العروس على حصان مزين أو عربة مثل الحنطور يجرها حصان مزين وتتقدمهم فرقة موسيقية تبدو من بعيد بالملابس البيضاء المزركسة والأحذية ذات الرقية الطويلة والقبعة العالية وآلات النفخ والآلات النحاسية ... تبدو كأنها "فرقة حسب الله" فى نسختها الهندية
وصلنا الى مطعم هو عبارة عن ساحة كبيرة امتلأت بالمناضد والكراسى البلاستيكية - هو مصانع الشريف للبلاستيك وصلت الهند؟ - فيما يشبه مطاعم الكباب والكفتة عندنا فى مصر ... جلينا نتصفح قائمة الطعام فلم افهم منها شيئاً فطلبت مساعدة "مهروو" فى اختيار اطباق مناسبة ... كان المتاح لنا بالطبع هو الأكلات النباتية وكان هذا من أكثر الأشياء ان لم تكن الشىء الوحيد الذى اسعدنى فى هذه البلاد ... فأنا كمسلمة لا أواجه اى مشاكل فى الحصول على وجبات مناسبة هنا ... فبالاضافة لوجود العديد من المطاعم الحلال التى تقدم لحوما مذبوحة على الشريعة الاسلامية وخذوذا فى المناطق التى بها كثافة سكانية عالية من الهنود المسلمين... فان معظم الهنود وخاصة الكثير من الهندوس وطوائف أخرى هم نباتيين لا يأكلون اى شىء حى ... لذلك فأى مطعم فى الهند صغيراً كان أو كبيراً فهو يقدم قائمتين للطعام: نباتى وغير نباتى
كان الطعام لطيفاً وان كان حاراً كما هو متوقع من بلاد السبايس! فالشىء الوحيد الذى تستطيع ان تأكله بأمان هنا هو الخبز ... وهناك أنواع كثيرة من الخبز هنا ... أهمها "النان" و"الروتى" و"الشاباتى" ... سأتى على شرح ذلك فى يوم آخر ان شاء الله
فى طريق عودتنا الى الفندق ... وكانت الساعة تقترب من منتصف الليل والشوارع اصبحت شبه خالية ... سألتنى "مهروو" ان كنت احب ان اتفرج على عرس هندى كبير ... قالت ان ابنة أخت صديقة لها تتزوج الليلة فى ساحة عرس غير بعيدة عن الفندق ... لم أمانع ... خصوصا انه كان باستطاعتنا بالفعل ان نرى ساحة العرس من بعيد ... وصلنا هناك فاذ بنا امام مساحة شاسعة من الأرض المسورة بسياج قماشى من الألوان الصفراء والبرتقالية الفاقعة فيما يبدو كأرض المعرض السورى بأرض المعارض بمدينة نصر – على فكرة ..المعرض ده مضروب وحاجته غالية ع الفاضى – لكنه أكثر فخامة طبعاً
استقبلتنا صديقة "مهروو" فى مدخل الساحة وقادتنا مع ابنتها الصغيرة الى الداخل ... فى صدر القاعة هناك مقعدين مذهبين غاية فى الضخامة هما المقابل لل"كوشة" عندنا ... وعلى اليسار هناك مائدة طوييييييييلة جداً نصبت لأفراد العائلة يتوسطها العريس وعروسه اللذان توجهنا اليهما بالتحية فيما أخذت السيدة – مضيفتنا – تمر بنا مرور سريع على العائلة وتعرفنا بهم – مين دول اصلاً؟ ...أهل بنت أخت صاحبة مرات ابن عم "آرتى" اللى هى زميلتى أنا فى الشغل! ويا وانيس ياللى!! هههههههه - ثم قادتنا الى البوفيه وصممت ان نأكل شىء ولو يسير وكانت ستحلف بالطلاق مرة آخرى لولا ان مددت يدى لآخذ بعض من الحلوى فى طبق صغير ... لا أذكر بالطبع أنواع الحلوى لكن هناك نوع معين كان شديد الشبه بالبسبوسة ويسمونه ماذا؟؟ تخيلوا ... اسمه بالهندى "هالوا" ... أى "حلوى"! سبحان الله
فى طريقنا للخروج وقفنا نتحدث قليلا بجوار سيارة جديدة كانت تقف بالمدخل ملفوفة بشريط أحمر ... ذكرتنى بجوائز الشمعدان اللى كل ما تحبه هيحبك كمان وكمان ... لكن "مهروو" أوضحت ان هذه السيارة هى هدية من أهل العروسة لأهل العريس كما هو العرف السائد هنا ... أكرر ... الهدية من مييين؟ من أهل العروسة .... ولمييييييييين؟؟؟ لأهل العرييييس ... وبالسؤال عرفت انه كلما قل مرتب العروسة او كانت لا تعمل من الأساس كلما زاد ثمن الهدية التى يجب ان يقدمها اهلها ... ! يعنى تقدروا تعتبروها مكافأة متواضعة من أهل العروسة لأهل العريس لأنهم تكرموا وتعطفوا وخلصوهم من البلوة .. ارر ... احم ... قصدى العروسة اسم النبى حارسها بنتهم. طبعا كل الولاد اللى هيقروا البوست ده هنلاقيهم من النجمة طالبين حق اللجوء السياسى لجمهورية الهند المتحدة

Thursday, January 31, 2008

من خرج من داره ... يستاهل ما جراله ( الجزء الأول) – الهند 2


لا أعرف ما الذى أصاب البرج الباقى من دماغى – بعد ان انهارات بقية الابراج فى زلزال قرار السفر الى الهند من الأساس – لاتخذ ذلك القرار الأرعن بالخروج فى جولة سياحية حول نيو دلهى بدون مرشد

كنت قد أستيقظت فى حوالى السابعة صباحا ... تسألنى لم؟ أقول لك ليس انشكاحاً بالرحلة السعيدة ولأنى لا أكاد أطيق الانتظار للاستمتاع بيوم مشمس جميل فى العاصمة الهندية الساحرة ... ولكن لأن النومة غير مريحة إطلاقاً ... هناك رائحة عجيبة تسيطر على المكان كله ... ليس على الحجرة فقط بل أكاد أقسم انها تسيطر على المدينة كلها ان لم يكن شبه القارة الهندية بأكملها ... وهى رائحة لا أستطيع أن أقول انها جيدة كما لا أستطيع ان أجزم انها سيئة .... أنها فقط رائحة ... وهذا يكفى لجعلها غير مريحة بالمرة ... فلم أعرف بلداً فى حياتى ولاحتى مصر أم الدنيا للهواء فيها رائحة – على الأقل ليس حتى مساء يوم الرابع عشر من نوفمبر حين غادرتها للمرة الأخيرة
المهم ... استيقظت فوجدت أمى قد سبقتنى ... تناولت فرشاة أسنانى والصابونة وزجاجة الديتول – دى أهم وأول حاجة لازم تحطها فى شنطة سفرك لو ناوى تروح الهند بس خليك ناصح وهات زجاجة لتر لأن الزجاجة الصغيرة التى كانت معنا لم تكف أسبوع مع استخدامها ليس أقل من 20 مرة يومياً من أول دخول الحمام وحتى بعد ملامسة أكرة باب الغرفة – ولم أكد أهم بدخول الحمام حتى رن جرس تليفون الغرفة ... يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم! مين بيبيع لبن هنا ع الصبح؟ ... رفعت السماعة فآتانى صوت موظف الاستقبال الذى لم أفهم منه كلمة حتى سمعت صوت "آرتى" تخبرنى انها فى طريقها الى الغرفة ... غرفة؟ ... يا نهاركوا ... غرفة مين؟؟ ايه الناس دى؟ أنا معلوماتى عن الهنود انهم اجتماعيين بزيادة ... لكن الساعة 7 الصبح؟؟!! يا نهارنا أزرق! دحنا باين علينا هنشوف أيااام! جريت على الحمام ولم تمهلنى 3 دقائق حتى كانت داخل الغرفة وأمى تنادينى ... شىء لطيف جداً ان واحدة متعرفهاش من أساسه وتانى مرة تشوفك تكون بالبيجاما وشعرك منكوش وفرشاة السنان فى ايديك اليمين والمعجون فى ايديك الشمال والفوطة على كتفك!!! الحلوة كانت جاية فى الساعة دى ليه بققققققى؟؟ كانت فى طريقها لركوب سيارة الشركة وعدت علينا لتعطينى موبايل والدتها ليكون تحت تصرفنا الى ان أشترى خط جديد (فاتورة فرنسا كانت قد تعدت الألف جنيه وحدها مع استخدامى لخاصية التجوال اللعينة فقررت شراء خط محلى أرخص خصوصاً ان معظم مكالماتى ستكون مع هنود ... وبالمناسبة أتضح ان هذا كان هو القرار الصائب الوحيد الذى اتخذته طوال الرحلة وما قبلها وما بعدها حتى) ... والله البنت طلعت ذوق ذوق ذوق ... معرفتش أقولها ايه ... بس برضو الساعة 7 وانا بالبيجاما؟ّّ!!!

بعد ما لبست وقمت بترتيب الحجرة نزلنا الى الشارع للمرة الأولى فى هذا الوقت من الصباح ... كانت الساعة تقترب من التاسعة والجو شبه ضبابى! ... أردنا عبور الشارع الى المول المقابل وعندها أكتشفت ان نظام المرور العكسى صعب المتابعة ... فالنظام هنا شمال ... السيارات نظام انجليزى حيث يجلس السائق أمام عجلة القيادة على الجانب الأيمن من السيارة ... وبالتالى فنظام المرور ايضا معكوس ... فصرت دائماً أنظر فى الاتجاه المعاكس بطريقة عفوية ... وهو خطأ لو تعلمون عظيم ... فلا أذكر كم مرة كادت دراجة أو ريكشة أو سيارة ان تصدمنى فى هذا اليوم وحده لولا صرخات أمى التى تخاف من عبور الشارع أمام بيتنا حتى فى مصر! الا اننا عبرنا الشارع بنجاح وبلا خسائر لا فى الصفوف الهندية ولا فى الصفوف المصرية ولله الحمد ... فقط لنكتشف ان المول وكل ما جاوره من محلات وحتى ماكدونلدز مغلقين ... وكانت هذه أول مرة نكتشف فيها ان الهند بلد أهل الكهف ... لا تبدأ الحياة العامة فيها قبل الحادية عشر – باستثناء الشركات الخاصة . أعتقد انه حتى المكاتب الحكومية لا تبدأ العمل قبل العاشرة ... ملحوظة صغيرة : مع سيرى فى ذلك الشارع فى ذلك الصباح ... شعرت اننى أجلس فى تلك السينما بوسط البلد بجوار أبى وأشاهد أحد أفلام أميتاب باتشان فى منتصف الثمانينات ... كأن مصمم أزياء الفيلم قد انتقل فجأة الى هذه اللحظة فى الهند فألبس الناس تلك البنطلونات العجيبة التى كان يرتديها نور الشريف وعادل أمام فى أفلام المقاولات ... عارفينها البنطلونات المستقيمة الضيقة ذات الجيوب الصغيرة التى تبدو دائماً مفتوحة على مصراعيها؟؟ انتهى
عدنا الى الأوتيل بعد ان فشلنا فى الحصول على طعام للافطار ولم يكن أمامنا سوى طلب طعام من الأوتيل ... بعد 10 دقائق من التفاهم مع خادم الغرف أنزل الله عليه الالهام وفهم أخيراً أنى أريد 2 شاى و2 نان فى الغرفة ... والنان هو أحد أنواع الخبز المتعددة فى الهند – كان من الصعب ان أطلب أى شىء آخر من القائمة العجيبة التى امتلأت بأسماء هندية لا حصر لها ... ميزت منها فقط أنواع الخبز لأنى أكلته من قبل فى مطعم هندى بالقاهرة
صعدنا الى الغرفة وكان ان اتخذت القرار الأرعن ... طلبت سيارة أجرة عن طريق رقم أعتطه لى "آرتى" وهو مثل تاكسى العاصمة ويتم تأجيره لمدة ثمانى ساعات لمسافة ثمانين كيلو ... وكان ذلك سيكلفنى 600 روبية ... أى أقل من سبعين جنيه مصرى ... لا بأس ... بعدها بقليل جاء الخادم بصينية عليها فنجانين وترمس من الشاى ... ما أن صببت بعضه حتى وجدت لونه لون الشاى باللبن ... وكان هذا هو الدرس الأول فى طلب الأطعمة فى الهند ... اذا اردت شاى مصرى فيجب ان تحدد لهم "بلاك تى" أى شاى أسود ... لأن ما يعرف عندهم باسم "تى" هو شاى بلبن ... بل انهم يستخدمون كلمة "شاى" العربية نفسها لوصف الشاى باللبن ايضا ... طلبت من الخادم تغييره فعاد بعدها بفترة بالشاى الصحيح ... ويا ليته ما عاد ... كان أسوأ "بلاك تى" شربته فى حياتى ... وصارت أمى تقول "لا يمكن نكون فى الهند لو هو ده الشاى الهندى اللى الناس كلها بتحلف بيه!" ... لم يكن أمامنا اختيار أفضل على كل حال ... ثم ان رجل الاستقبال هاتفنى منبئاً بوصول التاكسى وأعطانى رقمه

نزلنا لنجد سيارة فضية صغيرة من ماركة "تاتا" اياها تقف أمام مدخل الفندق وبجوارها شخص ضئيل الحجم رث الثياب ملزق الشعر يتحدث فى الموبايل معطياً ايانا ظهره ... تمنيت من الله الا يكون هذا هو السائق الموعود الا ان دعوتى لم تكد تبلغ طبقة التلوث المخيمة فوق المدينة حتى استدار الرجل وفتح لنا باب السيارة

فقط عندما ظننت ان رائحة المدينة هى آخر ما ستتحفنى به الأقدار فى هذه الرحلة! ... كانت رائحة التاكسى تبدو وكانه – السائق - كان يباركها بدهنها بمسك روث الأبقار كل صباح ان كان هناك شىء من هذا القبيل – وهو شىء ليس ببعيد عن هؤلاء القوم بالمناسبة – غير ان شكل الرجل نفسه كان ينبئنى بأنه لم يمس الماء منذ شهور أن لم يكن منذ سنوات ... وما ان جلسنا حتى سألنا الى اين نريد الذهاب فأعطيته ورقة كان "سانجاى" قد كتب لى فيها كل الأماكن التى تستحق الزيارة فى دلهى فأشرت له على بعضها فهز رأسه واستعد للانطلاق ثم سأل "ايسى مادام؟" ... تسألت "وات؟" ...فكرر "آيسى مادام؟" ... ففتحت فمى ببلاهة وقلت له انى لا أفهم فأشاح بوجهه فاقداً الأمل ... ثم تنبهت الى انه أشار الى فتحة التكييف فى التابلوه أمامه فقلت مع مط وتطويل من فهم أخيراً "أيه سيييى" ... قصده ع التكييييييييف! يادى الليلة اللى مش فايته!! احنا لسه فى حرفين ومش فاهمة من #$##$%^ حاجة!

ياه ه ه ! أول مرة ألاحظ - فى ضوء الصباح – ان المدينة حقاً واسعة جداً ... هى مقسمة الى أربعة أجزاء ... شرق دلهى وغربها ثم شمالها ثم جنوبها ..ثم ان المدينة بأكملها عبارة عن حزام يحيط بالمدينة القديمة ... كنا نسكن فى منطقة "راجورى جاردن" فى غرب دلهى ... وقطعنا مسافة طويلة تخطت النصف ساعة حتى وصلنا الى محطتنا الأولى ... مررنا خلالها بالعديد من الطرق الفرعية والرئيسية ... لم تتغير انطباعات الليلة السابقة عن شوارع المدينة كثيراً ... باستثناء ان الشوارع القريبة من قصور الوزراء والأماكن الحكومية كانت أكثر اتساعاً وانتظاماً ... مررنا ايضا على فندق كبير اسمه "تاج بالاس" وهو فندق عظيم الحجم محاط بحديقة كبيرة يفصلها عن الشارع الرئيسى سور حديدى تستطيع من خلاله رؤية المبنى الذى يأخذ امتداد طولى على شكل قوسى ... سألت السائق فقال بلغة كسيحة ان أجر الليلة فى ذلك الفندق يتخطى الثمانية آلاف روبية ... أى أكثر من ألف جنيه مصرى! ... ما مشكلة الفنادق فى الهند؟ الغرفة فى ذلك الفندق الحقير الثلاثة نجوم تكلفنا 200 جنيه مصرى فى الليلة والفنادق الآخرى التى لا تتعدى 3 نجوم ايضاً تتعدى ال400 جنيه! أى ما يمكن ان تقيم به فى أجدعها منجع سياحى بالبحر الأحمر ... وشتان ما بين المكانين!

مررنا فى الطريق ايضا على بعض القصور الصغيرة المحاطة بحدائق متوسطة الاتساع تطل أسوارها على الطريق الرئيسى ومعظمها بيوت الوزراء أو مؤسسات تابعة للححكومة ومنها منزل "سونيا غاندى" رئيسة الوزراء السابقة حتى انحرف بنا السائق أخيراً إلى شارع رئيسى عريض و"نظيف" – وضع تحت كلمة "نظيف" هذه سبعين خطاً لأنها كلمة عزيزة ونادرة جداً فى هذا البلد – وتوقف عمودياً على الرصيف بين صف من السيارات معظمها أجرة وأشار لنا إلى الجهة المقابلة من الشارع ... نظرت فرأيت من بعيد بناء حجرى ضخم على شكل بوابة تقف وحيدة لا يحيطها شىء ... عرفت انها "انديا جيت" أو بوابة الهند التى بنيت تخليداً لذكرى قتلى حرب الأفغان والحرب العالمية الأولى من أبناء الهند ... وهى ليست بوابة بالظبط كما يوحى اسمها ... بل هى بالأحرى مشروع فاشل لتقليد قوس النصر الباريسى ... وهيهات ان استطيع مجرد الإشارة إلى المقارنة بين القوس ببياضه الشاهق والنحوتات البارزة على جميع جوانبه من الداخل والخارج وأسماء قتلى الثورة الفرنسية واللوحة البرونزية التى تحمل تاريخ إعلان الجمهورية الفرنسية والتى تتوسط الأرض بين جداريه أمام موقد شعلة النار بنقوشه البرونزية وبين هذا البناء الأصم من الحجارى البنية المغبرة التى لا تحمل من النقوش سوى كلمة "إنديا" محفورة بحروف لاتينية على قمتها ... بل أجرؤ على القول بأن قوس النصر الهرمى عندنا فى مدينة نصر بالقاهرة يتمتع بمنظور جمالى أرقى بمراحل من هذه البوابة
تجولنا قليلاً فى المنطقة وكان هناك عدد قليل من الأجانب وعدد غفير من الهنود ... فتجد الشاب من هؤلاء يضع على شعره نصف علبة من الفازلين ويصطحب فتاة مغطاة من قمة رأسها وحتى أخمص قدميها بأعجب تشكيلة من الألوان النارية الاستفزازية التى يمكنك تخيلها من أول السارى الملفوف حولها والسروال الضيق تحته إلى الأساور المتعددة التى تغطى ذراعيها من كفيها إلى مرفقيها فى لوحة يعجز أجدعها فنان سريال عن الاتيان بمثل ألونها ... فيجلس هذان يتهامسان بجوار البوابة الضخمة فى مشهد أزلى منذ أيام اللقاء الخالد بين عبد الحليم حافظ وفاتن حمامة بجنينة الأسماك فى فيلم موعد مع القدر وحتى سور المريلاند بمصر الجديدة وكوبرى قصر النيل ساعة العصارى فى حاضرنا الجميل
بعد التقاط بعض الصور الفوتوغرافية – بالمناسبة الصور دى تم التقاطها حوالى الساعة 11 صباحاً وأحب أوضح هنا ان الجو مش مغيم ولا حاجة ... ده التلوث يا عزيزى! – عبرنا الشارع مرة أخرى إلى حيث التاكسى شنيع الرائحة ... أحب ان أذكر هنا انه فى ذلك الشارع الرئيسى وحيث يقف عسكرى المرور بزيه البنى وغطاء رأسه الأحمر يلتزم المواطنون جميعاً باشارة المرور وخطوط عبور المشاة ... وهو لشىء مثير للحزن ان ترى كيف ان هذا المستوى من الانحدار العام فى النظافة فى هذه البلد النامية يقابله هذا الالتزام الرائع بقواعد المرور – على الأقل فى الشوارع الرئيسية – بالمقارنة مع بلدى الحبيب
عدنا إلى السيارة فى الشارع الكبير – "النظيف" – الذى بالمناسبة تقام فيه عروض عسكرية هائلة أثناء الاحتفالات الوطنية طبقاً لما قرأت ورأيت من صور على الانترنت فيما بعد وهو يعرف باسم "راج-باث" أى "طريق الملك" ويمتد من قصر الرئاسة حيث مقر رئيس الجمهورية مروراً ببوابة الهند ووصولاً إلى الاستاد الوطنى
انطلق بنا التاكسى هذه المرة إلى شوارع اكثر إزدحاماً وشعبية حتى وصلنا إلى شارع ذو اتجاهين كان على يمينه من بعيد سور طويل لقلعة حمراء هائلة المساحة ... تعرفت عليها انها "القلعة الحمراء" – رد فورت – يبدو حسب علمى انه لا تكاد تخلو مدينة من مدن الهند من أحد تلك القلاع الضخمة التى ترجع إلى عصور مختلفة ... أما على اليسار من هذا الطريق وحيث انحرف بنا السائق فكان شارع شديد الازدحام تسير فيه السيارة بصعوبة بالغة من كثرة السائرين فيه ... دخل بنا إلى ساحة انتظار واسعة فركن السيارة وتلرجل منها ماشار لنا ان نركب "ركشة" حيث كان هناك عدد لا بأس به من سائقى تلك العربات يقفون فى انتظار "الزبائن" ليصعدوا بهم إلى حيث "جامع مسجد" حيث كانت هذه هى أيسر وسيلة لزيارة المكان نظراً لصعوبة دخول السيارات الى هناك ... وهكذا انحشرت أنا وأمى فى المساحة الضيقة من العربة العالية المتصلة بدراجة السائق المسكين نحيل الجسد الذى آخذ يحرك البدال بصعوبة طوال الطريق المتصاعد الذى استغرق حوالى 5 دقائق شق خلالها وسط جحافل البشر والدراجات الصاعدة معنا والقادمة عكسنا الى ومن تلك الربوة العالية التى يقع عليها "جامع مسجد" وهو أكبر مسجد فى دلهى قلت لأمى بعد ما رأيت من معاناة السائق المسكين "شكل السواق ده قرب ينزل ويسجد لنا ... أكيد بدأ يشك دلوقتى أننا بقرتين حلوب من اللى بيعبدونهم مش بنى آدمين!"
أخيراً بدأنا نرى سور الجامع المرتفع من بين ثغرات أجساد قوى الشعب المتلاحم أمامنا ... نزلنا من الركشة حيث توقف بنا السائق على بعد خطوات من درجات المسجد الحجرية وأكدت عليه ان ينتظرنا ... جامع كبير هو من الطوب الأحمر المزخرف بأقواس بيضاء وقباب مستديرة تشبه أكثر ما تشبة أقبية قصر الكرملين فى روسيا ... وله ثلاثة مداخل من الشمال والشرق والجنوب مسورة بأبواب حديدية خضراء تحمل أسامى عربية مكتوبة باللغتين العربية والانجليزية مثل "باب عبد الغفور" و "باب عبد الله" إلخ
وهذا المسجد اسمه الأصلى هو "مسجد جاهان نوما" – أى المسجد المطل على العالم – نسبة إلى الحاكم المغولى شاه جاهان صاحب تاج محل الشهير
على الدرجات الكثيرة الصاعدة تجاورنا مع العديد من الأجانب ذوى البشرات البيضاء المحمرة ... إلا ان منظرنا نحن كان أكثر عجباُ لهؤلاء الهنود – لاحظ المفارقة ... فنحن بحجابنا الأغراب داخل مسجد إسلامى ... سبحان الله!
كان هناك لافتة على الباب ان استخدام الكاميرا ممنوع إلا بتقطع تذكرة تبلغ 200 روبية / حوالى 30 جنيه مصرى ... وهو شىء عجيب جداً لم أره فى أى مسجد من قبل ... حتى فى مصر حيث تتفنن وزارة السياحة فى تنفيض جيوب السائحين لكن من الواضح الجلى ان الأخوة الهنود يتفوقون فى هذه الأمور بلا منازع! ... خلعنا الأحذية بجوار الباب ثم دلفنا إلى صحن المسجد المفتوح الذى يتوسطه حوض كبير مربع من المياه التى لم أر شىء يدل على انها متجددة وعند مرورى بجوار هذا الحوض لم يفزعنى مشهد المياه الراكدة كمياه البرك وما يغطى سطحها من فضالات الحمام والعصافير المنتشرة بصورة مخيفة فى سماء المكان بقدر ما هالنى مرأى ذلك الهندى الشاب الذى كان قد مد يده فى هذه الماء ليغتسل – فيما بدا لى كالمتوضىء – مبعداً بيده الفضالات فى بساطة شديدة يحسد عليها – الله يقرفك يا بعيد!
وللمسجد ايوان واحد مفروش بالسجاجيد للصلاة يقع إلى الجهة الشرقية من الباب ... وهو إيوان طولى يتسع عرضه لبضعة صفوف من المصلين فقط ويتوسط جداره قوس القبلة ... لم أرى بالطبع مكاناً لمصلى سيدات – وعرفت فيما بعد ان نساء المسلمين هناك لا يصلون فى المساجد – فاتخذنا مكاناً أبعد ما يكون عن العيون وأستترنا بجدار فصلينا ركعتين تحية للمسجد ثم توجهنا إلى بوابة الخروج
عند مكان الأحذية كان هناك رجل رث الثياب كالح الوجه يقف كالمشرف العام على ارتداء الأحذية والمعنى طبعاً لا يخفى على من زار مساجد مصر خاصة تلك الخاصة بالقاهرة القديمة ... هو ببساطة يتوقع مالاً نظير حراسته الجليلة للأحذية ... وقف يرمقنى بنظرات ترقب اثارت استيائى ... ولأنى لم أتوعد بعد على شكل العملات الهندية والتى تحمل كلها – بالمناسبة – صورة غاندى – كلها بلا استثناء – ولا تختلف شكلاً سوى فى الحجم والألوان فقد استغرقت بعض الوقت ... وما ان انتدت يدى لتلمس ورقة من فئة الروبيات الخمس – ما يقل عن الجنيه ببضعة قروش – حتى فوجئت بالرجل يرغو ويزبد ويلوح بيديه بمعنى "مش عايز من خلقتك حاجة" متمتماً ببعض الكلمات الهندية التى حتماً تؤدى نفس المعنى
هممت بأن أضع النقود فى جيبى وان أقول له بنفس الحدة ما معناه "أقرع ونزهى" الا أن أمى قالت لى "معلش أديله عشرة" ... ... نقدته اياها بغل فخطفها وأدار ظهره لى منصرفاً بغضب ... سبحان الله ولا حول ولا قوة إلا بالله! بالمناسبة ... الا يذكركم هذا الرجل بأحد؟ ربما سائس من عينة "وضع اليد" الذى يظهر لك فجأة من تحت الأرض كلما ههمت بركوب سيارتك فى أى مكان فى القاهرة قائلاً بابتسامته اللزجة المتزلفة "كل سنة وأنت طيب يا باشا" وترد أنت بذكاء "ليه؟ هو النهاردة عيد ميلادى وأنا معرفش واللا ايه؟" ... أو ربما يذكرك بعامل النظافة المتلكع على كوبر أكتوبر الذى يقف بسماجة متنطعاً يحرك المقشة ببطء لا تتحمله لو رأته سلحفاة بنت سلحفاة ثم ينظر فى عينيك نظرة منكسرة مباشرة ويرفع يده بجوار جبهته فى تحية عسكرية قائلاً الجملة الشهيرة "كل سنة وأنت طيب يا باشا" ... فتقول فى نفسك "ياه! دى الحكومة دى واصلة بجد ومعدية البراميل ... مبلغة كل الناس فى البلد ان النهاردة عيد ميلادى عشان يحتفلوا بيا ... والله فيهم الخير ... ولو أنى مش فاكر ان النهاردة عيد ميلادى! غريبة!" ... وهكذا حتى لتشك فعلاً فى التاريخ الصحيح لعيد ميلادك

نزلنا من الجامع فوجدت سائق الركشة يشير إلىّ من بعيد ... وبدأت رحلة الأبقار المحمولة عائدة إلى الجراج ... فى الطريق وصلتنى مكالمة من "فينيش" يسأل عن يومى فأخبرته بانجازاتنا حتى الآن ثم سألته عن الأجر المناسب لسائق الركشة فأخبرنى ان 15 روبية تكفى ... فما ان وصلنا حتى أخرجت النقود ومددت يدى بها للسائق فركبه مليون عفريت وأخذ يقرضنا قصيدة شتائم هندية لم نفهم منها حرفاً بالطبع لكن سائق التاكسى الذى كنا نقف معه الآن قال انه يريد 50 روبية ... عدت ل"فينيش" الذى كان معى على الخط فسألته فقال لى أن أعطيه 20 روبية لا أكثر وان رفض ان أتركه وأمشى ... التفت فوجدته قد رحل غاضبا بالفعل فهممت بالرحيل لكن أمى ألحت علىّ أن أراضيه قائلة "حرام عليكى ده جر البقرتين الحلوب على قلبه طالع نازل" ... فناديته وممدت يدى له بال20 روبيه فأخذها على مضض ورحل متمتماً ... وكانت هذه هى أول ملاحظات لى عن معاملة السياح فى الهند ... كما كانت أول مرة ألاحظ انها نفس الطريقة التى يعامل بها السياح عتدنا فى مصر من استغلال ونصب واحتيال وكأن السائح قد كتب على جبهته "حمار بيفقس دولارات ... أستغلله" أو شىء من هذا القبيل

Thursday, January 3, 2008

شد الرحال الى بلاد تركب الأفيال - الهند 1


بعض أصدقائى يجدون تشابها كبيراً بينى وبين شخصيات روايات باولو كويلهو ... أنا "سانتياجو" الكيميائى و"شيرين" ساحرة بورتوبيللو ... سانتياجو كان يتنقل بين المدن الاسبانية بحثاً عن العلم والتجارب والخبرات ... وأنا منذ بضعة شهور فردت خريطة العالم وقررت ان أفعل المثل ... ان أزور ما استطاعت ان تطأه قدماى من البلاد والأماكن المختلفة داخل وخارج مصر ... ورغم ان ما وضعنى على بداية هذه الطريق كانت فى الواقع الظروف والملابسات لا أكثر الا انى قررت ان أصنع الظروف بدلاً من انتظارها
وهكذا .. وبهذه الروح قررت ان انتقل الى المحطة التالية على خارطتى ... الهند!
البداية كانت محادثات كثيرة تبادلتها مع احدى زميلاتى فى العمل – فرع الهند - حول الهند وثقافتها ورغبتى فى حضور حفل زفاف هندى ... فقامت هى وتدعى "آرتى" بدعوتى لحضور حفل زفاف أختها فى نيو دلهى ... حسبتها ووجدت امكانية متاحة لسفرى فى هذا التوقيت ... اصرت أمى على اصطحابى بالرغم من تحذيرى اياها من مشقة سفرية كهذه وكنت اعرف انها لن تعجبها ... أنا اقوم برحلة استكشافية وليس رحلة سياحية ... لكنها أصرت ... وقد أعذر من أنذر
لم أقم بأى نوع من الترتيبات قبل سفرى ... كنت قد اعتدت على الخطط التى تفشل دائماً ومهما حرصت فى رسمها ... فقررت ان ارتجل ... لكن تركت ل"آرتى" مهمة تدبير مكان الاقامة ... ولأنى كنت اعتمد على خبرتى السابقة فى أوروبا فقد ارتكبت خطأ اكتشفت مدى خطورته عند وصولى الهند ... ذلك انى طلبت الحصول على مكان اقامة متوسط ولو بنظام العائلات المضيفة نظراً لمحدودية الميزانية ... سنعود الى هذه الفقرة لاحقاً

المهم ... حجزت تذكرتين على طيران الاتحاد الاماراتى وكنا فى المطار قبل موعد الطائرة بساعتين ونصف أى فى الثانية عشرة والنصف بعد منتصف ليلة السبت الرابع عشر من نوفمبر ... مررنا بالاجراءات المعتادة وقضينا ساعة كاملة فى انتظار بداية البوردينج – تحميل الركاب – الى ان استقرينا فى مقاعدنا فى الطائرة ... أول مرة أسافر على طيران الاتحاد ... ولأنه كان أرخص من مصر للطيران توجست خيفة انه يكون اسوأ من مصر للطيران حتى انى سألت موظفة شركة السياحة "ودى بتوصل الهند وللا هيرمونا سقط على نيو دلهى من فوق؟" ... لكن اكتشفت انه لا ممكن ابداً حد يحتل مكانة مصر للطيران فى قلوب كل المصريين ويكون اسوأ من كده

الطيارة صغيرة نسبياً لكن جديدة وليست مثل طيارات طراز خيل الحكومة بتاعت ... وللا بااااش ... المهم ... الطيارة شديدة النظافة بألوانها الكريمى المريحة للأعصاب – مش زرقاء كئيبة بلون المحيطات اللى غالباً بتقع فيها الطائرات اياها ... حتى ان الداخل الى الطائرة من دول يشعر ان الشركة ترحب به على طريقة "الفاتحة لأمواتنا وأموات المسلمين ... أنتم السابقون ونحن بكم ان شاء الله لاحقون" - ... ومكان حتة القماش المقطوع – والملطوع كمان - على ظهر كل كرسى من كراسى الطيارات الوحشة اياها ... هناك شاشة دى فى دى صغيرة مثبتة أمام كل راكب ولها ريموت كونترول مثبت فى جانب الكرسى للتحكم فى العروض المقدمة والتى تحتوى على مجموعة متنوعة من أحدث المسلسلات و الأفلام الأجنبية اللى لسه منزلتش السينما فى مصر أساساً ... يا حلاوة يا ولاااااااااااد ... دهده!
معلومة للقارىء: أنا مبتكلمش عن درجة رجال الأعمال لا سمح الله ... أنا فى الدرجة الاقتصادية مع بقية الشعب الكادح لحسن تفتكر انى بتكلم عن مستوى خاص من الخدمة وللا حاجة!

بعد انقضاء حوالى 3 ساعات هى مدة الرحلة الى أبو ظبى بدأنا مرحلة الهبوط
ماما ... ماما ... مامااااااااااااااا ... مفيش صوت طالع ... أمد ايدى ... مبتتمدش ... كنت فى حالة شبه إغماء ... بيقولوا – مين هما معرفش – انى ثلجت والدم هرب من وشى ... الموضوع ببساطة ان عندى مشكلة مع انخفاض ضغط الطائرة فى مرحلة الهبوط بسبب التهاب الجيوب الأنفية المزمن ... لكن الألم فى أذنى ورأسى هذه المرة كان رهيب لدرجة انى شبه فقدت الوعى من فرط الألم ... طبعاً أمى احتاست ... مش عارفة تنده مين وتقول ايه ... واحد مصرى الله يكرمه نده المضيفة فاحضرت كوب ماء وسكر وطلبت الدكتور من المطار
الناس كلها نزلت من الطيارة ومفيش غيرى أنا قاعدة فى الكرسى بلا حراك ... ثم ان تأثير السكر بدأ يعيد لى الوعى شوية فطلبت النزول ... كان فيه راجل عجوز وسيدة مسنة على كراسى متحركة نزلونى معاهم فى مصعد خاص من باب الطائرة الى أرض المطار ... يادى الرحلة اللى مش باينة من أولها
اللطيف بقى ان كان فيه اشارات غريبة بتجيلى كمان بخصوص السفرية دى ... مثلاً أفتح الجرنال فى الطيارة ألاقى الخبر الظريف ده: مصرع مش عارفة كام بنى آدم فى انفجار ثلاثة قنابل قرب نيودلهى بالهند
اقفل الجرنال فى غيظ محاولة ان اداريه عن عين أمى فاذا بى أجد على الصفحة الخلفية عنوان مقالة لأنيس منصور يقول "لا تحاول الهزار مع الهنود" ... طبعاً يأخذنى الفضول وأكمل القراءة فاجده يحكى عن مشكلة حدثت له فى مطار الهند حين "هزّر" مع مسئول أمن فى المطار فانتهى الموضوع بالاشتباه فيه وتم حجزه فى المطار حتى تم التأكد من هويته! ... والله؟ فى المطار؟ فى الهند؟ ... هي سفرية باينة من أولها!

دخلنا مطار أبو ظبى فى حوالى الساعة الثامنة والنصف صباحاً بالتوقيت المحلى ... أى باقى حوالى ساعة فقط على ميعاد طائرة الهند ... أى ان البوردينج على وشك البدء
مطار أبو ظبى مطار صغير نسبياً لكنه شديد النظافة والرقى ... مبنى المطار مصمم على شكل دائرة يخرج منها ممرات طولية متعددة كأنها مجسات أخطبوط ... فى نهاية كل ممر منهم دائرة أصغر تمثل صالات المغادرة ... توجهنا إلى إحداها حسب ارشادات احد مسئولى الأمن ووجدنا البوردينج قد بدأ بالفعل ... دخلنا أولاً عبر بوابة التفتيش ... وهو تفتيش أكثر دقة من تفتيش مطار القاهرة ... سألنى رجل الأمن عن مدة الاقامة فقلت "عشرة أيام" ... فطلب منى فتح شنطة ظهرى المنتفخة ... فتحتها ... واذا به يفاجأ بكيس من البلاستيك ممتلىء بعلب كثيرة معدنية ... سألنى "شو هادا؟" ... قلت ببراءة "هادى علب تونة وفول" ... خمس علب تونة وعلبتين فول بالتمااااام والكمال! ... بص لى باستغراب وعلى شفتيه تعلو ابتسامة تعرفون معناها جيداً "تونة وفول؟ ليش؟" .... آه ه ه ... قاللى ليش! ... قاللى ليش! ... ردى يا أم السعد – السعد ده يبقى أنا – ليششش؟ ... ردت أم السعد اللى هى أمى – اللى أصرت على أخذ العلب دى معانا ... وبصعوبة اقنعتها بالعدول عن فكرة الخيار والجبنة ... أنا أصلى مش رايحة كفر طهرمس! - "أصل أكل الهند مش هيعجبنا فقلنا نعمل حسابنا" ... الراجل بص تانى لخمس علب التونة وعلبتين الفول – بالتمااااااااام والكمال – وقال بسخرية "ودول راح يكفوكوا العشرة أيام؟" ... ابتسمنا ولم نرد فقال "هو ممنوع لكن ماشى ... تعدى" ... يظهر قالك "يا حراااام ... كفاية انهم رايحين الهند ... بلاش نرخم عليهم ... لازم كل السبل تكون ميسرة للفدائيين من أمثالهم"! هي سفرية باينة من أولها!

بمرورنا عبر بوابة التفتيش صرنا داخل فيلم أميتاب باتشان ... قصدى داخل صالة المغادرة الممتلئة بقوم سمر البشرة قصيرو القامة فاحمى سواد الشعر يرتدون الألوان الزاهية يسمونهم "الهنود" ... اتخذنا مقاعدنا وسطهم لمدة عشر دقائق حتى انتقلنا الى الطائرة ... اتخذت مقعدى وأنا أدعو الله ان يهون على آلام الضعط المرة دى ... انشغلت بالفرجة على فيلم هندى – قلت أدخل فى الموود بقى – حتى بدأ الهبوط ... بدأت أجز على أسنانى وعلى اللبان اللى كل الناس لازم تنصح بيه مع انه مبيعملش معايا فرق ... أقول لنفسى "هانت يا بنت يا شيرين ... استحملى 5 دقايق كمان ... إن شاء الله مفيش حاجة هتفرقع فى نافوخك ولا ودانك هتطرشق ولا الدم هيطلع من عنيكى زى أفلام رعب الستينات الفاشلة ... فكرى فى حاجات حلوة ... باريس ... الشانزيليزيه ... المطر فى الأسكندرية وأنا ماشية على الكورنيش ... فيلم رعب جامد وحلة فيشار تحت البطانية فى ليلة برد ... شيكولاتة مع الشاى فى صباح يوم شتاء ... ملوخية بالأرانب من ورا أمى عشان بتقرف من الأرانب ... كوبرى 6 أكتوبر فاضى خالص وأنا رايحة محاضرة الثلاثاء بالليل ... "السادة الركاب ... كابتن الطائرة عباس بن فرناس – دى من عندى – يهنيكم بسلامة الوصول ويتمنى لكم .... إلخ إلخ" ... الحمد لله ... انزل من الطائرة المرة دى على رجلى سليمة معافاة بحمد الله

أشيل الشنطة الثقيلة أم خمس علب تونة وعلبتين فول بالتماااااااااام والكمال على ظهرى ونذهب لالتقاط بقية الشنط من على السير الدوار داخل المطار ثم نتوجه لمنطقة الجوازات
مطار إنديرا غاندى مطار شديد الكآبة ... لا يوجد محلات ولا كافيتريات ولا أى شىء سوى عربات التروللى المتناثرة هنا وهناك لنقل الشنط وبعض المكاتب الخاصة بموظفى المطار ... فكرنى بموقف السوبر جيت بألماظة ... وتأكد الشعور ده عندى لما توجهنا الى الجوازات ... مفيش غير اتنين موظفين – مش بزى رسمى زى مطار القاهرة – وشكلهم مصحينهم من النوم عشان يخلصولنا الجوازات ... فلكم ان تتخيلوا مدى البطء والبرود اللى كانوا بيتعاملوا بيه!
أخيراً انتهينا من الاجراءات بحلول الرابعة عصراً تقريباً بتوقيت نيودلهى ... مررت بمكتب "توماس كوك" لتغيير الدولارات التى كنا نحملها لان طبعاً لم أجد روبيات هندية فى مصر ... محدش أصلاً يعرف ايه الروبى ده ... ولو سألت حد فى مصر آخره هيقولك على طول: "طب ليه؟ ... بيدارى كده ولا هو دارى كده ... "
والروبيه – أو الروبى بالانجليزية – هى احدى العملات النادرة التى تقل بفرق شاسع عن الجنيه المصرى الساقط فى نظر المجتمع الدولى ... فالجنيه يشترى سبع روبيات ... تخيلوا؟ والله ولسه فيك النفس يا أصفر!
إللا هو ليه أصفر أو بنى؟ ما هو طبعاً لازم يكون تعبان وعايش فى خريف العمر ... بص شوف الأخضر منتعش وعايش ربيع حياته ازاى؟

ما علينا ... خرجنا الى صالة المطار الخارجية المؤدية الى البوابات فوجدت "فينيش" يلوح لى من بعيد ... مين "فينيش" ده؟ ... "فينيش"ده – بتعطيش الفاء – عقبال أملتك أخويا الصغير ... زميلى فى الشغل ... كان فى زيارة لفرع الشركة فى القاهرة عندنا الأسبوع اللى فات وهو أعلى منى بدرجتين فى السلم الوظيفى لكن مضيفته فى فرع الشركة فى مصر صديقتى فخرجنا معاً فى جولات سياحية أكثر من مرة ... فى الشغل الناس بتعتبرنى مرشدة سياحية تقريباً ... أى عيل تايه ييجى من برة مصر يبعتوه عليا أفسحه! دهده! طب بفكر أحترف المهنة طالما ان مكتبى اصبح مكتب استعلامات وخدمات سياحية وعربيتى قربت أغيرلها النمر من ملاكى لسياحة! ... المهم ... كنا مرة فى جولة فى القاهرة الفاطمية وتحديداً فى شارع المعز جهة الأزهر والحسين واشتريت بعض المشغولات التى تلبس حول المعصم مما يسميها الأطفال "حظاظة" فعجبته ... عرضت عليه بكرم المصريين الحاتمى ان يأخذ واحدة منها فطلب منى ان اربطها له حول معصمه ... بينى وبينكم أنا قلت فى نفسى "ايه الأهبل ده؟ ده جنان ده وللا ايه؟ أنا هاخطبه؟" ... ففهمنى – الا زاد الله علمه – ان حداهم لو الواحدة ربطت لواحد أسورة أو رباط أو أى شىء من هذا القبيل حول معصمه تصبح أخت له ... يعنى أنا على سلو بلدهم ده أبقى أخته؟ ... ماشى ياخويا ... كانت ناقصة نخاوى هنود كمان!

المهم ... الأخ "فينيش" قال هييجى يستقبلنى فى المطار هو ومراته ... والواد الصراحة مكدبش خبر ...لقيتهم فى انتظارنا ومراته جايبة بوكيه ورد صغير قدمته لأمى ... والله ناس ذوووق ذوووق ذوووق ...بس أنا مش قليلته – الذوق يعنى – ولا مؤاخذة ... رحت رزعتها هرم صغير ... هرم شيكولاتة فريرو روشيه صغير كده على قدها اشتريته فى آخر لحظة وقبل ميعاد الطائرة بساعتين فقط من القاهرة لأن الوقت لم يسعفنى
كان "فينيش" قد كلم "آرتى" – هتقوللى هو يعرف "آرتى" منين ... لأ ... نشغل الفهامة شوية ... ما هم شركة واحدة يعن وكلنا عيلة! – وعرف منها العنوان بالتفصيل فأعطى تعليماته لسائق السيارة التمينى فان التى استأجرها مخصوص لنا ... ناس ذوووق ذوووق والله ... وانطلقنا فى شوارع نيودلهى

إلا صحيح انتو متأكدين ان دى نيودلهى؟ ... لما دى ال"نيو" أمال ال"أولد" هتكون ازاى؟ ... "يا حومتى" على رأى لوسى فى "ليالى الحلمية"! ... أول ملحوظة لاحظتها أمى ان فيه موتوسيكلات و"سكوترز" – اللى بنسميها هنا "فسبا" مش سكوتر الأطفال أكيد - كتيرة قوى ... وكل اللى راكبنها لابسين غالباً اللون الأسود وخوذات سوداء ... أمى اتخضت وقالت "ايه ده؟ هى البلد دى كلها بوليس وللا ايه؟" ... الحمد لله انها ما كانتس قرأت موضوع التفجيرات اياه! ... عموما أكتشفنا بعدها ان ده وضع طبيعى ودول ناس طبيعيين من عامة الشعب مش بوليس ولا حاجة لكن نظرا للازدحام الشديد فالناس تستعيض عن السيارات بالدراجات النارية باختلاف أنواعها
نعود إلى الشوارع ... الجو العام تراب تراب تراب ... تقوللى ما هى مصر متربة ... أقولك لأ ... تراب عن تراب يفرق ... هنا الجو العام للشوارع يشبه بلاد الأرياف ... كنت حاسة أنى فى أحد الشوارع الرئيسية مركز الباجور, منوفية! ... "يا حومتى" – تانى لوسى بس المرة دى فى "سلطان الغرام" ... الست دى مبتغيرش؟ - لو هى دى العاصمة أمال قليوب الهندية هيكون شكلها ايه؟

قلت يا واد طنش خاااااااااالص ... شوف البلد دى آخرتها ايه! ... مشينا بلاد تشيلنا وبلاد تحطنا لما يقرب من الساعة حتى دخلنا من بن بوابة مكان يشبه التجمع السكنى يتكون من عدة مبانى ... المكان بوجه عام يشبه مدينة فيصل فى الاسكندرية التى تشرفت بزيارتها عدة مرات منذ حوالى 10 سنوات كاملة ... مدينة بين الطبقة الشعبية والمتوسطة ... وده مجرد اقرار واقع مش طبقية منى!
توقفت السيارة أمام منزل يقف أمامه رجل فى الأربعينات وفتاة فى العشرينات ابتسمت حين رأتنا ... "فينيش" نزل وسلم عليها فى حين ساعد الرجل الآخر السائق فى حمل الحقائب ... لم استوعب فى الأول الأمر حتى قال لى "فينيش" ان هذه هى "آرتى" ... فى الوقت ده كنت فى غاية الارهاق ولو قالولى ان دى "إشواريا راى" نفسها مش هتفرق
المهم ... "فينيش" سلم علينا ومشى ودخلنا وراء "آرتى" والرجل اياه من باب جانبى بالدور الأرضى للمنزل ... دخلنا الى حجرة صغيرة بها مكتب خشب وكرسيين فقط ... وعلى يمينها باب حجرة آخرها أصغر من الأولى بها سرير فقط ... وبمواجهة باب هذه الغرفة باب آخر يفضى الى ممر قصير بطرفه حمام وأخيراً حجرة ثالثة تبدو فيها من بعيد سيدة مسنة يحيطها عدد لا بأس به من السيدات فيما يشبه مشهد من مشاهد دعاء الكروان أو شىء من الخوف فى الريف المصرى! ... ده ناهيك عن رائحة المكان التى هى مزيج من الرطوبة والتوابل الهندية أو أى شىء غير مريح قد يطرأ على خيالك ... لم استوعب المصيبة حتى أشارت "آرتى" الى السرير فى الحجرة الوسطى وقالت ان هذه غرفتنا ... طبعاً مهما حاولت أدارى الصدمة فأكيد ما ظهر على وجهى ووجه أمى فى هذه اللحظة هو الفزع نفسه ... وجوم تام ... وأمى أخذت "تزغر" لى وهى على وشك تقطعنى بأسنانها ... كنت فى موقف لا أحسد عليه ... من ناحية لا يمكن أبداً أنام فى مكان زى ده ... ومن ناحية آخرى شكلى وحش جداً قدام الناس اللى مستضيفنا ... المهم أمى أخذت تكح وتظهر أعتى صور الامتعاض والاختناق والقرف فى مزيج عجيب على وجهها ... فنزل على الوحى والالهام وطلبت منها – بالعربية طبعاً – انها تزود عيار الكحة شوية وتتخيل نفسها فاتن حمامة فى أيامنا السودة ... قصدى الحلوة ... أو أمينة رزق فى فيلم المولد وتوكلت على الله ... بسم الله الرحمن الرحيم ... إحم ... شوف يا سيدى ... بقى أمى دى ست غلبانة وطيبة وخالتها ماتت محروقة وعندها الضغط والسكر وربو مزمن ومتقدرش تقعد فى مكان مقفول من غير نوافذ زى ده .... الرجل – اللى فهمت وقتها انه ابن عم "آرتى" وصاحب المكان وان الست الكبيرة اللى جوة دى هى والنسوان اللى حواليها تبقى أمه ... مش بالظبط أماه لأن القصة كما حكاها لى هى أن هذه السيدة كانت من عائلة راقية وزوجها مقاول كبير خسر كل ممكتلكاته فى انهيار أحد السدود التى كان يبنيها وكانت هى لا تنجب ... فلما ولد هو أعطته أمه لهذه السيدة لتكون أمه الثانية ... وهو الآن مسئول عنها بعد موت زوجها كما هو مسئول عن أمه الحقيقية بالظبط ... فيلم "مارد" لأميتاب باتشان بالحرف! – عرض فوراً يروح يجيب لأمى بخاخة ... بخاخة مين يا عم الست لو قعدت هنا هتطلع الصبح على أرض الجولف حيث مقابر العائلة! ... المهم ... مع كثير من الاحراج والاعتذارات طلبت ان نبحث عن أى أوتيل مناسب فى مكان قريب ... الحقيقة ان الناس كانوا فى قمة الذوق والأخلاق ... تفهموا الموضوع تماماً وأخذ الرجل يؤكد لى ان ما يهمه هو توفير الراحة لنا بأى شكل نريد
على ذلك انطلقنا هذه المرة فى سيارته للبحث عن أوتيل ... كانت الشمس حينها قد غربت والساعة حوالى السادسة والنصف ... وحدث هنا ما لم اتوقع حدوثه ابدا خارج بلدى الحبيبة ... كنا نسير فى الشارع فاذا ب"توكتوك" يأتى من اليمين ويدخل مباشرة فى سيارة آتية من الشمال ... كده وش! ... بدون اشارات ولا ملفات ولا أى شىء ... وكان ده أول مواجهة ليا مع المرور فى الهند – لأنى فى طريقى من المطار كنت مشغولة بالكلام مع "فينيش" ومركزتش خالص فى المرور غيلر احساس الزحمة – أما ما تلى ذلك فهم ساعتين كاملتين قضيناهم فى هذا النوع من المرور الذى بدا لى شديد الغرابة ... تخيلوا؟ أنا اللى النيل روانى والخير جوانى استغرب مرور أى بلد غير مصر؟ وكانت لى الملحوظات التالية فى هذه الجولة الليلة:
- الهندى بيسوق برجليه مش بمخه اطلاقاً ... يعنى مبيفكرش ... هو يدوس بنزين وبس ... كده عمل اللى عليه وزيادة
- كمية الموتوسيكلات حقيقى رهيبة ... ويطلعوا من اليمين والشمال وورا وقدام ومن تحت الأرض حتى
- التوكتوك هناك بيسموه "أوتو ركشه" ... لأن فيه نوع من المركبات تانى اسمه "الركشة" وهى عبارة عن ما يشبه الكارته عندنا لكن بدل ما بيجرها حمار أو حصان بيكون متصل بيها دراجة يقودها بنى آدم ... وهى طبعاً أرخص وسائل الموصلات هناك لكن لا تصلح الا لمشوار آخر الشارع أو على قدر "نفس" السائق الذى يكون عادة شديد النحافة ويعانى من فقر دم ويصعب على الكافر وشكله مايجبش جر رجله أصلا مش جر كارته
- هناك الكثير من الكبارى العلوية ... بعضها مخصص للسيارات والبعض الآخر للمترو ... ايوه ... هناك المترو مش بيمشى فى نفق بل بيمشى فوق كوبرى ... والمحطات كلها تشبه محطة مترو الهرم عندنا حيث تصعد الى المحطة عن طريق سلالم مرتفعة
- الجو خانق بطريقة فظيعة ونسبة التلوث أعلى بمراحل من القاهرة
- أغلبية السيارات من ماركة "تاتا" الهندية حتى السيارة التى نركبها ... شركة "تاتا" هى امبراطورية ذخمة فى الهند تنتج العديد من أنواع السيارات من أول السيارات الصغيرة وحتى اللورى والنقل ... هذا الى جانب العديد من المنتجات والخدمات الأخرى ... وسمت انها نزلت السوق المصرى مؤخراً ياحدى موديلاتها الصغيرة الحجم

مما عرفته ايضا ان الرجل يدعى "سانجاى" وقد عرفته لى "آرتى" مرة على انه أخوها ومرة على انه ابن عمها ... عندما استفسرت عن ذلك قالوا لى ان ابن العم يعتبر أخ ولا يجوز زواج ابناء العمومة.

ممرنا بالعديد من الأوتيلات ... كلها ممتلئة عن آخرها ... فلكى تكمل الليلة كان هذه هو موسم الزواج ... فالهندوس يتزوجون فى أيام معينة من السنة لا يتزوجون فى غيرها ... وهى حوالى 44 يوماً كان هذه هو احدها ولذلك فلا توجد غرفة واحدة شاغرة ... فييييييييييييييييين على ما لقينا غرفة بالعافية فى أوتيل صغير يدعى "أمان" - بالرغم من شكله الذى لا يوحى بأى قدر من الأمان أو الطمأنينة - يتكون من ثلاثة أدوار فقط ويدعى أصحابه أنه ثلاثة نجوم بغض النظر عن رأى أى من النزلاء العقلانيين الذين لا يمكن ان يعطوه أكثر من نصف نجمة بالنظر الى وجوه العاملين فيه فقط والتى توحى بالبلادة والفقر التام ... أما الحجرة الشاغرة فهى فى الدور الثالث وبلا أسانسير ... يا هدة حيل أمى ... كانت دى مشكلة فعلاً ... أمى متقدرش تطلع كل ده كل يوم ... لكن "سانجاى" قال ممكن نقضى الليلة هنا وفى الصباح نبحث عن أوتيل جديد أكثر ملائمة ... وقد كان ... تركت أمى بالغرفة ونزلت معهم ألقى نظرة على محيط المكان ... كانت منطقة متوسطة – بالمفهوم الهندى – لكن كان أمامنا مول كبير وسينما تدعى "فيشال" ومطعم ماكدونالدز على الرصيف المقابل ... ودعونى تاركين لى أرقام تليفوناتهم و"اذا احتاجتى أى حاجة" وكلام من المصرى الصميم اياه ده ... رجعت الأوتيل وأمى طبعاً كانت على آخرها لكن متكلمناش ... من ناحية أنا حذرتها ومن ناحية ليس فى الامكان أبدع مما كان ... دلوقتى نطبق مبدأى فى الحياة ... ننام والصباح رباح

Thursday, December 13, 2007

سيوة ... واحة صحراوية على أرض مصرية - الجزء الأخير

أقول أخذنا طريق العودة إلى قلب الواحة ... الطريق الأسفلتى الذى عرفناه بعد فوات الآوان بعد ان قطعت أنفاسنا فى طريق الذهاب الترابى ... ثم بدأنا نغنى تلك الأغنية الايطالية القديمة ... لا أعرف متى بدأناها لكنى فى هذه المرحلة كنت قد حفظت المقطع الرئيسى منها رغم جهلى التام باللغة نفسها ... لكن الايطالية لا تختلف كثيراً عن الاسبانية على العموم فكانت سهلة بالنسبة لى ... لا شاتى مى كانتااااارى – دعنى أغنى – كون لا كيتارا ان مانو – والجيتار فى يدى – لا شاتى مى كانتارى – دعنى أغنى – أونا كانسونى بيانو بيانو – أغنية ببطء "واحدة واحدة يعنى" ... نقود دراجاتنا ونغنيها جميعاً فلا يسمعنا أحد سوى أشجار النخيل على الجانبين ... وربما سمعنا السيويون من داخل الحقول والبساتين فلم يهتموا بالأجانب ومزاجهم العالى

وصلنا الى ساحة السوق مرة آخرى ... صديقتى المصرية كانت قد بلغت الصفر من الطاقة وبدأت تصدر انات مثل الموبايل الذى فرغت بطاريته فأعلنت الانسحاب وصعدت لترتاح فى الأوتيل ... أما أنا والايطاليان فاتجهنا لتفقد شالى ... شالى هو جبل يحتوى على بقايا منازل أهل سيوة القدامى ... فهو يمثل المركز الرئيسى للواحة حيث عاش أهلها تحيطهم أشجار النخيل من جميع الجهات ... ثم كان ان نزل الأهالى وانشأوا المساكن والبيوت على أرض الواحة وبين الأشجار فتوسعت الواحة الى ما هى عليه اليوم ... وفى فترة من الزمن كان شالى يستخدم كقلعة يتحصن بها أهل الواحة من غارات الأعداء حيث كان الجبل يتيح لهم موقع مرتفع يصعب تسلقه دون التعرض لرصاص الأهالى اذا استلزم الأمر
لم نكد نسير فى الممر الجانبى أسف شالى حتى وجدنا شاب أسمر نحيل يقف على باب بيت ... قام بتحية الايطاليين وسألهم عما فعلوا اليوم ... فهمت من كلامهم معاً انه قابلهم فى منزل سيد فى الصباح حين كنت أنا فى الأوتيل
ثم انه قال انه فى غاية السعادة اليوم لأنه تلقى خبر حصوله على منحة لدراسة ماجيستير الزراعة فى ايطاليا ... لا استطيع ان أصف كل هذا النور الذى كان يطل من وجهه وابتسامته البيضاء الصافية تملأ روحه ذاتها فرحاً وسعادة ...محمد – وهذا كان اسمه - تكلم كثيراً عن استعداداته وتوقعاته ... واعطته "سيمونا" عنوانهما وتليفوناتهما فى ايطاليا اذا احتاج اليهما ... سبحان الله ... شاب سيوى صغير السن ... يعيش فى هذه البيئة الصحراوية البسيطة ... يتحدث الانجليزية بطلاقة وقدر لا بأس به من الايطالية وحاصل على بكالوريوس زراعة من جامعة الاسكندرية والآن حصل على منحة لتحضير الماجيستير فى ايطاليا ... سبحان الله! مصر فعلاً ولادة والله
ثم انه أصر ان يدعونا للشراب فى الأوتيل ... عرفنا وقتها ان ما كنا نقف ببابه هو أوتيل ... أوتيل طبيعى ... تم تأثيثه داخل حجرات ما تبقى من بيوت شالى نفسها ... أخذنا فى جولة داخل المكان ... الحجرات مختلفة الأحجام ... فهى محفورة فى حضن الجبل بطريقة طبيعية ... وتم تأثيثها بالكامل بخامات طبيعية ... فقاعدة السرير من جريد النخيل والشماعة عبارة عن حبلين يتدليان من الحائط المسقوف بجذوع الأشجار ويتصلان بقطعة من الخشب تعلق عليها الشماعات ... حتى المصباح المتدلى من منتصف الغرفة مصنوع من الأحبال المجدولة وتكلسات الملح المحفورة على شكل مكعب يحتوى على اللمبة
صعدنا الى سطح الأوتيل فكانت ساحة فى ارتفاع الدور الثانى فى عمارة متوسطة تتطل على ساحة السوق وموقف الأتوبيسات وتحتوى على عدد من المناضد والمقاعد الخشبية ... استئذنا محمد وغاب بضع دقائق ثم عاد ومعه أكواب الكركديه المثلج المزود بالنعناع ووقف يشرح لنا بعض المعلومات عن شالى ومساكنها ... شكرناه على حسن ضيافته وتمنى له كل التوفيق فى دراسته ثم انتلقنا الى الشارع مرة آخرى
كنا نريد الذهاب الى عين فطناس ... وهى آخر المعالم الرئيسية فى جدولنا وعلى بعد حوالى 4 كيلومترات آخرى خارج الواحة ... كان الوقت يدنو من المغرب فاضطررنا الى الغاء الفكرة والاكتفاء بالتسوق ... خصوصاً انهما قررا الرحيل الى القاهرة الليلة ... "سيمونا" هاتفت "لورا" وطلبت منها حجز تذكرتين فى السوبرجيت الى مرسى مطروح الليلة ... فكرت قليلا ووجدت انه من الأفضل لو رحلنا معهما ايضاً لأننا سنرح فى الصباح على كل الحال فلا داعى للمبيت الليلة والذهاب بصحبتهما سيكون أكثر أماناً ... هكذا طلبت من "سيمونا" ان تكلم "لورا" مرة آخرى وتضيف تذكرتين اضافيتين
الآن حان وقت الصعود الى شالى ... كان الليل قد خيم والجبل يعكس ظلال صفراء تلقيها "سبوتات" اضاءة تم زرعها فى أماكن متفرقة من الجبل لمساعدة الصاعدين اليه ... كان الصعود صعباً بالنسبة لمعدومة اللياقة مثلى ... خصوصاً مع عدم انتظام الأحجار ووعورتها ... كنت أخشى مع كل خطوة ان يختل توازنى ... واختلال التوازن هنا وخصوصاُ مع اقتربنا من القمة لا يعنى سوى شىء واحد ... ان تزل قدمى واسقط فيدق عنقى على الفور ... الموضوع مش هزار ... الجيم فور العودة الى القاهرة .... حتمااااااً ولااااااااااابد
المشهد من فوق شالى غاية فى الروعة ... الصخور المنيرة بالانعكاسات الصفراء تحتنا ثم كل نقاط الضوء اللامعة فى منتصف الواحة والمتناثرة بين أشجارها على مرمى البصر ... ثم أذن المؤذن لصلاة العشاء ... أول أذان اسمعه بوضوح و كان لسماعه سحر عجيب فى هذا الجو العام
نزلنا ولله الحمد بلا اى خسائر تذكر سوى مزق خفيف فى كتفى اليمين نتيجة تشبثى بصخرة عالية وتحميلى عليه لجذب جسدى الثقيل الى الأعلى
عبرنا الشارع فأعدت دراجتى الى صاحبها وانطلقنا فى جولة حرة فى السوق ... معظم المعروضات تتكون من المصنوعات اليدوية من الكليم والوسائد الصوفية والشالات ... ثم الزيتون والبلح السيوى المشهور والأعشاب مثل الكركديه والنعناع الجبلى برائحته القوية الجميلة ... فى أحد تلك المحلات تعلمت كيفية ربط ال"حمودى" على الطريقة السيوية عن طريق متابعة صاحب المحل وهو يربطها ل"ميكيل" ... طول عمرى كان نفسى أفهم بيربطوها ازاااااى ... أحمدك يا رب

- فاصل : وقت كتابة هذه السطور هو بعد مرور حوالى ثلاثة شهور من هذه الأحداث ... زارنى خلالها "ميكيل" و"سيمونا" فى القاهرة مرة ثم بعدها بفترة زارتنى "سيمونا" وصديقة لها وقضوا معى 3 أيام فى بيتى زرنا خلالها الاسكندرية كذلك ... والآن ... منذ دقيقتان فقط تلقيت من "سيمونا" مكالمة طويلة من ايطاليا تخبرنى بأحوالها هناك بعد عودتها منذ أسبوعين وتسأل عن أحوالى ... نادراً ما تقابل فى حياتك ناس يمدون جسور المحبة والصداقة ولو فرقكم الزمان والمكان وحتى بدون سابق معرفة أو علاقة وثيقة ... اذا كان للسفر سبع فوائد فهذه بالتأكيد أهمها ... معرفة الناس ... صحيح ... معرفة الناس كنوز

مر بنا فى السوق "سليمان" ... المرشد اياه الذى جئت من القاهرة لمقابلته ثم اختلطت الأمور وقابلته فى المعسكر الليلة الماضية ... "مكتوب" على رأى باولو كويلهو ... كان من اللطف والكرم بحيث توقف بسيارته ليسأل عن أحوالنا واذا كنا بحاجة لأى شىء ... شكرته على ذوقه وكرمه وأكملنا الجولة فى السوق حتى مر بنا "سيد" و"لورا" ... كانوا لم يحجزوا تذاكر السوبرجيت بعد فركبنا معهم وذهبنا الى المحطة ... نزل سيد وعاد ليقول انه انتزع التذكرتين من فم الأسد انتزاعا حيث ان كل تذاكر الأتوبيس الآخير قد نفدت ... تذكرتين؟ لفت نظرهم الى اننا نحتاج الى أربعة فتذكرت "لورا" انها نسيت ان تخبر "سيد" بالتذكرتين الاضافيتين ... نزل "سيد" مرة آخر ليحاول الحصول على التذاكر فعاد وعلى وجهه الفشل بادياً ... فنزلت "لورا" لتحاول محاولة أنثوية أجنبية فعادت لتعلن عدم وجود أى تذاكر آخرى الليلة ولكنها حجزت تكرتين فى أتوبيس السابعة صباحاً ... أخبرتها بمخاوفى الا نتمكن من الاستيقاظ فى هذه الميعاد المبكر فأتت معى لنغبر التذاكر الى العاشرة صباحاً ... آخذهما منا الرجل النحيل وأعطانى النقود وقال لى "تعالى الصبح أديكى التذاكر" ... أكدت عليه "لورا" اننا سنجد تذاكر فى الصباح بالفعل فقال لنا المقولة المصرية الشهيرة فى مثل هذه المواقف : "عيييييييييب!"
تركنا مكتب السوبرجيت وتوجهنا الى منزل "سيد" ليلتقط الايطاليان امتعتهما ثم عدنا سيراً الى السوق القريب ... صعدت الى الأوتيل لاستدعى رفيقتى للعشاء والتقط بعض ما تركه الايطاليان فى غرفتنا سابقاً ثم توجهنا جميعاً الى المطعم الوحيد المتوفر فى الواحة ... مطعم عبده
مطعم عبده يقع فى منتصف ساحة السوق المربعة ويواجه فندقنا مباشرة ... هو عبارة عن ساحة أمامية مسقوفة ومدعمة بقوائم من جذوع النخيل وتتناثر تحتها حوالى اثنتى عشرة مائدة مربعة تتسع الواحدة منها لحوالى أربعة افراد ... انتقينا منها واحدة تطل على الشارع وشرعنا فى تأمل قائمة الطعام ... الأصناف كلها مصرية صميمة ... خضروات مع الأرز ... ملوخية ... مسقعة ... شكشوكة ... لكن الأخوة الطليان المهتمين بصحتهم طلبوا سلطة وخضروات فقط فى حين ان المصريين – العكاكين – أى نحن فطلبنا مكرونة فرن وبيتزا ... الحقيقة لاحظت على الايطاليين اهتمامهم بالأكل الصحى عموماً ... يأكلون الكثير من الفاكهة والزبادى ويشربون الكثير من الماء ... يارب نكون يوم مثلهم
كانت الساعة تقترب من العاشرة وحان وقت الرحيل ... رحيلهم ... مشينا معاُ حتى موقف الأتوبيس أمام مكتب السوبرجيت وكان الأتوبيس منتظراً هناك والكثير من الركلب قد اخذوا أماكنهم هناك ... ودعتهم وأنا أشعر كأننى اودع رفقاء عمر وليس معرفة يومين ... ولكن كان بيينا وعد على اللقاء مرة أخرى فى القاهرة قريباً
عدنا الى الأوتيل وأنا أجرجر قدماى من شدة التعب
لا أعرف كم من الوقت استغرقت فى النوم ... ربما ساعة أو ساعتين على الأكثر ثم استيقظت على حر شديد ... لا أعرف من اين آتت هذه الموجة الحارة فجأة ... بل والرطوبة العالية ايضاً ... ثم انى بدأت أشعر بالاختناق الشديد ... قمت وخرجت الى البلكونة ... لا أجد كرسى أجلس عليه وكنت فى شدة التعب ولا أقوى على الوقوف ... ارتديت ما تيسر فى الظلام ونزلت الى الريسيبشن ... لا أحد هناك برغم سماعى أصوات الناس فى الخارج ... بعد قليل جاء المضيف فطلبت منه كرسى فقام بحمله الى الغرفة فى الدور الثالث وانا ورائه
اخذت كتاب "واحة الغروب" اياه وجلست فى البلكونة احاول القراءة على الضوء الخفيف القادم من الشارع ... الواحة صامتة كالقبور ... لا يوجد حتى كلب فى الشارع ... بعد حوالى ربع ساعة سمعت أصوات قادمة من جهة شالى على يمين البلكونة ... وعلى الرغم من بعد المسافة الا ان سكون الليل وصمت الصحراء اتاح لى تمييز بعض الكلمات المصرية ورأيت بعض الناس يتحركون ببطء على قمة شالى ... معكم الرب يا متسلقى تلك الصخور ... آآآآه يا كتفى الممزوق ... لكن الحقيقة ان منظر شالى نفسه فى سكون الليل له روعة تفوق روعة المشهد من فوقه سابقاً ... جلست اتأمله قليلاً حتى غلبنى النعاس فدخلت الى السرير ونمت
صحوت فجأة على صوت شقشقة العصافير فى الخارج ... نظرت من نافذة البلكونة بجانبى فوجدتها تشرق ... أغرتنى فكرة مشاهدة الشروق فقمت الى البلكونة استمتع بهواء الصباح النقى بعد الليلة الرطبة الخانقة ... ثم تثاقلت الى السرير مرة اخرى وذهبت فى النوم ربما لساعة آخرى قبل ان توقظنى حركة رفيقتى فى الغرفى تلملم أشيائها ... صحوت وفعلت بالمثل ثم نزلنا الى السوق ... اشترينا بعض البلح والأعشاب والعيش السيوى من الفرن القريب لآخذه معى الى القاهرة ... كان الباقى من الزمن ساعة حتى ميعاد الأتوبيس ... جلينا فى مطعم عبده اياه من أجل الإفطار ... تحركنا مع اقتراب العاشرة الى المحطة فكان الأتوبيس مستعد
دخلت الى مكتب الحجز لآخذ التذاكر التى وعدنى اياها الرجل النحيل بالأمس فقال انها نفذت ... سألته بغضب كيف يبيع التذاكر وهو قد وعدنى بوجودها فرد بكل برود انى تأخرت وانى كان المفروض آخذها فى التاسعة وليس قبل موعد الأتوبيس بدقائق ... عبثاً حاولت حل الموقف والرجل اللعين لم يخبرنى أى شىء بالأمس عن ضرورة القدوم لشراء التذاكر فى التاسعة ... وقعنا فى مشكلة حقيقية ... كلمت "سيد" فتحدث الى الرجل اللعين فاجابه ببرود ان ليس بيده شىء وكان الأوتوبيس قد تحرك بالفعل ... وأكثر ما غاظنى ليس الموقف فى حد ذاته قدر ما هو طريقة تعامل الرجل معى وكأنه يعاقبنى على عدم علمى بقوانينه الخاصة ... ولا أفهم كيف تستمر هذه السركة اللعينة السوبرجيت فى العمل مع كل ما يتمتع به موظفوها من بلادة وتباتة ولا مبالاة لا بالمواعيد ولا بالبشر الذين من المفترض انهم يدفعون رواتبهم بل يتعاملون مع الجميع من منطلق "احنا مش خدامين أبوكم ... مش عاجبكم سافروها مشى"! سبحان الله
تركت صديقتى مع الشنط عند المحطة ومشيت الى المسجد القريب حيث تقف أمامه المكروباصات الذاهبة الى مطروح فلم أجد شىء هناك ... بالصدفة وأنا فى طريق العودة الى المحطة وأنا أحمل خفى حنين رأيت السيارة الجيب التى كانت معنا بالأمس فى المعسكر وفيها المصرى وطفليه ... كان قد تعرف علينا من قبل فحيانى من بعيد فاشرت اليه ان ينتظر ...ركن فوراَ ونزل ليستفهمفسألته ان كان عائداً الى القاهرة اليوم فقال انه عائد الى الاسكندرية الآن فأخبرته بما حدث معناً وسألته ان كان عنده مكان يسعنا فى سيارته فرحب بنا وقال انه سيقابلنا عند المطعم بعد عشر دقائق
بالفعل قابلناه هناك وكانت السيارة الآخرى للمصرى وابنته قد انضمت اليه ... كان "سيد" ايضا معهما وآخذ يمدح فى حسن حظنا
المهندس "سامى" معتاد على رحلات السفارى ... يطلع هو وولديه الصغار كل عام فى أكثر من رحلة فى مختلف المناطق فى مصر ... وهم جزء من مجموعة كبيرة تقوم معاً بهذه الرحلات بسياراتهم الخاصة وكثيرا ما يكون معهم "سيد" مع زبائنه من الأجانب أو المرتجلين من أمثالنا ... أحيانا تمتد رحلاتهم الى اسابيع متواصلة ... رحلات الى الواحات البحرية والفرافرة والداخلة والخارجة وحتى اختراق بحر الرمال الأعظم ... حكى لنا الكثير والكثير عن هذه الرحلات واستعداداتها ومصاعبها ... هوايه غريبة هى ... لكن ممتعة الى أقصى درجة ... ربنا يوعدنا بعربية فور باى فور كدة وزوج طاقق يكون بيحب الحاجات دى!

وصلنا الاسكندرية مع آذان المغرب ... رحلة مرهقة استغرقت أكثر من 7 ساعات ... نزلنا عند محطة السوبرجيت ... آه من السوبرجيت اللعين ... الأتوبيس التالى يقوم فى التاسعة ... أى بعد 3 ساعات كاملة ... لا استطيع البقاء فى الشارع كل هذا الوقت ... قررت ان انزل القاهرة فوراً وبأى وسيلة ... سألت عن الميكروباصات فقادتنا أرجلنا خطأناً الى السيارات البيجو ... سألنا أحد السائقين ان كنا نريد الذهاب الى القاهرة فأجبت ان نعم ... أشار الى سيارة بيجو ستيشن فوقع قلبى فى قدمى ... هذا النوع من المواصلات كنت اسمع عنه فقط وعمرى ما تصورت ان اركبه برغبتى الحرة فى يوم من الايام ... لا يهم ... المهم ان اخذ شاور دافىء وأنام فى سريرى الليلة ... انزلقنا الى الكنبة الخلفية ثم ما لبثت السيارة ان امتلئت ... عدد من النساء والرجال ... الحمد لله على وجود النساء والا كنت تعرضت لنوبة من نوبات جنون الارتياب ... مع الشكر لمئات أفلام الرعب وأخبار الصحف القومية
لم يكذب السائق ما يقال عن هذه النوعية من السيارات من ان سائقيها يقودون كالمجانين ... عفاريت الأسفلت ... فقطع بنا المسافة من المحطة الى بوابة القاهرة فى ساعة بالظبط ... ثم قضينا ساعة آخرى أو يمكن أكثر حتى محطة رمسيس حيث كان أبى فى انتظارنا ... ما ان لامست مقعد السيارة حتى ذهبت فى ما يشبه الغيبوبة ولم أفق منها الا على يد أبى توقظنى تحت البيت ... لا أعرف حتى متى أوصلنا صديقتى الى منزلها ... صعدت الى البيت وانا منومة مغناطيسيا وارتميت على السرير ... ليس هناك أنعم ولا ادفأ من سرير الفرد بعد سفر طوييييييييييييييييييييييييييييييييييييييل
اطفوا النور بقى والباب فى ايدكوا وانتو خارجين

Monday, October 29, 2007

سيوة ... واحة صحراوية على أرض مصرية - الجزء الثانى

انطلقت السيارات بنفس النظام الواحدة تتبع الأخرى وقد زاد عدد القافلة اثنان مع وجود السيارتان المصريتان ... كان ابن احدهما وهو طفل ضغير فى الثانية عشر من عمره قد صعد فوق شبكة السيارة واستقر متربعاً فوقها ومتشبثاً بأعمدتها جيداً فى حين انطلقت السيارة بسرعة هبوطاً وصعوداً ... لابد انه شعور رائع بالاثارة ان تكون على هذا الارتفاع والسيارة تهبط بك بزاوية حادة على منحدر الغرد ... سأل "ميكيل" سائق السيارة ان كان يستطيع ان يفعل مثله ويصعد فوق سطح سيارتنا فرفض السائق لأن الشبكة محملة بمعدات التخييم ... كما ان هذا ممنوع قانونياً واذا تم ضبطه ستسحب رخصة قيادته لمدة شهر مع الغرامة

مضت 15 دقيقة تقريباً وتوقفت كل السيارات بعد ان "غرزت" واحدة منهم فى الرمال ... نزل جميع السائقين يحفرون تحتها لاستخراجها من الرمال ... بعد فترة تحركت قليلاً وهبطت غرد قريب ثم ما لبثت ان توقفت مطلقة دخان أسود كثيف من "الشكمان" ... نزل بقية الرجال من أجل اصلاحها فى حين بقينا نحن على قمة الغرد ... تفرق الناس كل مجموعة من اثنان أو ثلاثة يتحدثون معاً حتى عاد السائقون وقد أصلحوا السيارة ... استغرقت هذه العملية حوالى 20 دقيقة احترقنا فيها بشمس الصحراء الملتهبة

بدأت القافلة فى التحرك مرة أخرى وكان "ميكيل" قد صعد فوق سيارة المصرى بجوار الولد اياه ... توقفنا عند مدخل الواحة حتى ينزل هو والولد من فوق الشبكة حتى لا نتعرض للمخالفة القانونية. لم تمض 5 دقائق حتى كنا فى منتصف السوق بالواحة ... جاءنا "سيد" فأخبرنا ان الرحلة قد انتهت وأن المجموعة اليونانية ستذهب بعد ذلك الى منطقة تدعى "أبو شروف" 30 كم خارج الواحة ... كنا اكتفينا من الصحراء ونريد ان نأخذ "دش" ضرورى للتخلص من الرمال التى تملأ ملابسنا وتلتصق بجلدنا وحتى نشعر بها فى أفواهنا ... كما اننا بحاجة ماسة للراحة قبل القيام بأى خطوة أخرى ... قلنا ل"سيد" اننا نفضل الذهاب الى أى فندق للراحة أولاً ثم نقوم بزيارات المشاهد السياحية فى البلد ... نقدناه أجر الرحلة وأخذنا إلى فندق اسمه "بالم ترى" ... لم نجد غرفة شاغرة كما ان الفندق نفسه لم يعجبنا ... كان رفيقانا الايطاليان قد قررا السفر هذه الليلة ليصلا القاهرة ومنها الى "سانت كاترين" لارتباطهم بجدول مواعيد ضيق ... بالتالى كانت المشكلة عندنا نحن فى ايجار غرفة لقضاء الليلة ... آخذنا "سيد" الى فندق آخر قريب اسمه "كيلانى" هو عبارة عن مبنى جديد يشبه عمارات شارع "فيصل" فى الهرم بلونه البمبى الخالى من الذوق ... صعدنا نتفقد الغرفة فوجدناها واسعة نظيفة تتسع لسريرين ودولاب ومائدة مع اتساع فى المساحات وحمام نظيف متوسط الحجم ... وافقنا على الايجار ودفعنا 50 جنيه ثمن الليلة ... يا بلاش!
افترقنا عن الايطاليان على ان نلتقى أمام الفندق بعد ساعة لنبدأ رحلتنا ... آخذت "دش" سريع وغيرت ملابسى فشعرت بالنشاط والحيوية من جديد ... بعد ساعة كلمتنى "سيمونا" تخبرنى بقدومهما الى حجرتنا من أجل الاغتسال ... بعدها بربع ساعة كنا فى الشارع ... كانت "لورا" قد منحتهما دراجتين فذهبنا نؤجر لنا دراجتين ايضا من المحل المقابل للفندق وتركناهما فى السوبرماركت تحت الفندق لشراء بعض الأطعمة الخفيفة للغذاء ... استعجبت لرفضهما أن نشارك فى ثمن الطعام واصرارهما على "العزومة" بطريقة المصريين ... يبدو ان ما يحكى عن تشابه كل شعوب البحر المتوسط صحيح ... فان صح فنحن نشترك ايضاً فى الدم الحامى والضوضاء والصوت العالى
بدأنا رحلتنا على الدراجات ... درجات عريضة من النوع الجبلى التى أكرهها ... فى صغرى كنت أحب الدراجات الصينى الخفيفة لخفتها وسرعتها ... لكن الدراجات من هذا النوع الأخير لا تتحمل طرق الواحة الغير ممهدة
قدنا مسافة كم جنوب جبل "شالى" الرابض فى وسط الواحة حتى وصلنا الى بداية الطريق الواصل بين سيوة ومطروح حيث يقع جبل الموتى ... وهو ليس جبلاً حقيقياً من الناحية الجغرافية ... ولكن مجرد هضبة عالية يتوسطها شكل مخروطى صخرى ... يحتوى فى باطنه على مقابر عديدة تظهر فتحاتها كأفواه الآبار... وجدنا الزحام شديد عند سفحه عكس ما كان بالأمس وقت دخولنا الى سيوة ... العديد من السيارات والأتوبيسات المحملة بالسياح والمصريين على حد سواء ... أدركت أن أعداداً كبيرة من الزائرين قد وفدت الى الواحة ما بين ليلة أمس وصباح اليوم ... تماما كما توقع "سيد" ... موسم
كان الأمن متواجد بشكل مكثف ... سألنى أحد الظباط قبل صعودنا عن جنسية رفيقينا واسم الفندق الذى نقيم فيه ... ركنا الدراجات فى ظل نخلة عند سفح الجبل وارتقينا بضع درجات حتى مكتب التذاكر على رأس طريق الصعود ... يبدأ هذا الطريق ببضع درجات حجرية تختفى تدريجياً لتجد نفسك تنتقى مواضع قدميك على الصخور كيفما اتفق متفادياً السقوط فى الفتحات الواسعة المنتشرة فى الأرض الصخرية والتى تمثل فتحات المقابر ... بشكل ما تبدو هذه الفتحات كأفواه مفتوحة لتبتلع أجساد الموتى
فى منصف الطريق الى القمة يوجد "كوخ" صغير من جريد النخل مفروش بالحصير تم بناؤه كاستراحة للزائرين من قيظ النهار ... جلسنا هناك بضع دقائق احتماءا من الشمس ثم استكملنا طريقنا ونحن نلتقط لبعضنا الصور التى تبدو الواحة الراقدة تحتنا فى خلفيتها
وصلنا الى أعلى نقطة فى الجبل ... من بعيد والى الغرب نرى "شالى" وجبل "دكرور" على يمينه ومن حولهما مبانى الواحة القديمة الطينية ومبانيها الحديثة الاسمنتية ... طرقاتها الترابية التى تحتويها البساتين فتخفيها عن العيون ... والى الشرق نرى أميالاً من أشجار النخيل تمتد حتى الصحراء كبحر أخضر مترامى الأطراف
فى طريق الهبوط دعانا أحد الأدلة لمشاهدة مقبرة فرعونية تحتل أحد الفتحات الفمية اياها ... فتح لنا الدليل باب المقبرة الحديدى – طبعاً هو باب حديث وضع للحفاظ على المقبرة من عبث العابثين – فدخلنا الى ممر ضيق قصير فى نهايته حجرة فارغة صغبرة ترتفع عن الأرض بمقدار طول انسان تقريباً بحيث تصير موازية لرؤوسنا تقريباً ... وعلى الجانبين فتحات مربعة لا تتعدى متر فى نصف المتر تبدو مثل فتحات التهوية لكن وراءها مساحة بحجم حجرة أخرى طولية تصل بين هذه الفتحات جميعاً والحجرة الأولى ... على الجدران وعلى السقف الذى لا يفصله عن رؤوسنا سوى سنتيمترات قليلة نقوش فرعونية دقيقة مازالت محتفظة بألوانها رغم مرور آلاف السنين ... لم اتحمل الجو الخانق داخل المقبرة فخرجت لتتلقفنى الشمس الحارقة فجلست أحتمى بضل بعد الصخور البارزة من جسد الجبل حتى ينتهى الايطاليان من جلسة دراسة الدليل السياحى فى ايديهما داخل المقبرة ... كنت أعرف بوجود مومياء محفوظة فى أحدى المقابر هنا ايضاً لكن حرارة الشمس وتعب الصعود والهبوط على الجبل أفقدانى الرغبة فى رؤيتها
وصلنا الى السفح مرة أخرى فأخذنا الدراجات وانطلقنا ... سألنا فى الطريق عن الطريق الى "عين كليوباترا" فقيل لنا انها على بعد حوالى 4 كيلومترات من السوق ... رجعنا الى السوق مرة أخرى واتخذنا الطريق الى العين ... طريق ترابى غير ممهد ... على الجانبين وحتى منتصفه تقريباً لا يوجد سوى بيوت أهل سيوة التى هى عبارة عن طابق واحد أرضى مربع ببوابة حديدية ... يقابلنا فى الطريق أهل سيوة بملابسهم المميزة ... الرجال يرتدون جلاليب هى بيضاء غالباً ورمادية أحيانا وتحتها سروال من نفس لون الجلباب ... بعضهم يرتدى صديرية سوداء أو بنية اللون فوق الجلباب كذلك ... ويغلو رؤوسهم العقال البدوى بمربعاته الحمراء أو السوداء ... يطلقون عليه "حمودى" ... تذكرت وأنا أنظر اليهم مقولة احدى اليونانيات بالأمس انها لاحظت ان الرجال هنا يتمتعون بوجوه جميلة ... لم أفهمها وقتها ... ثم حين نظرت الى وجههم أدركت ما تعنيه ... فما يعرفه المصريين بالجمال وهو غالباً ان تكون البشرة بيضاء والعيون ملونة والشعر أشقر يختلف عن معنى الجمال الحقيقى ... فالجمال الحقيقى للوجوه بالذات يكمن فى الجمال التشريحى من حيث عرض الفك وشكل العينين وانتظام الأسنان واتساع الجبهة ... والسيويون يتمتعون بأوجه طويلة ذات فك عريض وأنف مستقيمة تتناسب وحجم الوجه تظلل شفاه صارمة تخفى أسنان بيضاء مصفوفة بانتظام ... وعيون حادة ثاقبة تلمع بذكاء وتظللها أهداب طويلة كثيفة سوداء ... كأنك ترى فراعنة حقيقيين كما جاء وصفهم فى الكتب ...تعجبت كثيراً حين فكرت فى هذا المفهوم للجمال ... فكرت فى سيدنا يوسف عليه السلام وتسألت بينى وبين نفسى كيف كان شكله وهو من أوتى نصف الجمال؟ سبحان الله الذى صور فأبدع ولكن الناس تشوهت نظرتهم الى الجمال واختلفت مقاييسهم حتى صار الجمال ينحصر فى الألوان! أما النساء فقليلاً ما يظهرون فى الطرقات كما هى عادة أهل الواحة ... فأن وجدوا فلا ترى منهم شىء حيث يرتدون عباءات طويلة – رمادية غالباً – ويغطون وجوههم تماماً بنقاب أسود يخفى حتى العينين
أما الأطفال فالأولاد منهم يرتدون ثياباً مشابهة للرجال ... لكن الفتيات يرتدين فساتين ملونة بألوان زاهية مثل الأصفر والبمبى والبنفسجى وتحتها سراويل قطنية بألوان مختلفة... يربطون شعورهم فى جدائل طويلة بأشرطة ملونة ... بشكل أو بأخر هم كغيرهم من بنات القرى فى محافظات مصر المختلفة ... لكنهم كانوا جميعا يضعون الحناء على ايديهم ... يزينزن بها الأكف ويصبغون بها الأظافر ... عرفت قبلها من "لورا" أنها من مظاهر الاحتفال بالعيد عندهم

بعد فترة اختفت البيوت من حولنا تماماً وصرنا لا نرى سوى أشجار النخيل الكثيفة على الجانبين ... كنا نتوقف من حين الى آخر نلتقط أنفاسنا ونحتمى بظلها من لسعة حر الظهيرة ... مر بنا "سليمان" يقود سيارته ومعه بعض السياح فاطلق نفير سيارته ورفع يده محيياُ بابتسامة فرددنا عليه بمثلها

وصلنا الى العين أخيرا بعد قيادة استمرت حوالى نصف الساعة فى هذه اللهيب فوددت لو ارتميت فى المياه بثيابى لأطفىء هذه النار التى تشوى وجهى ... كان المكان مزدحما بالناس من جميع الجنسيات ... والبعض يرتدون ملابس السباحة ويلهون فى المياه ذات اللون الفيروزى العجيب ... فقاقيع الهواء تخرج من أكثر من موقع فى الحوض الواسع دالة على مصدر خروج المياه من الأرض ... كان هناك مقهى يقف مقابلاً للعين ... مبنى من دور واحد مصنوع من جذوع النخيل والجريد ... مقسم بالأحجار الى "جلسات" أرضها مفروشة بالكليم والوسائد والطاولات الخشبية القصيرة – ما يعرف فى القرى بال"طبلية" – وبعض الكراسى المصنوعة من الجريد ... تركنا دراجاتنا بالخارج و تفرقنا بين الجلوس على الأرض استناداً الى الوسائد وبين الكراسى ... طلبنا أكواب الليمون البارد فجأتنا "شوبات" كبيرة من العصير المضاف اليه النعناع ... ليس هناك أمتع من الجلوس على الأرض وشرب الليمون البارد فى الظل بعد القيادة فى عز حر الظهيرة

قضينا فى مجلسنا هذا حوالى نصف ساعة ثم استكملنا الطريق اتجاها الى معبد آمون ... نفس الطريق الترابى يمتد بنا بين البساتين ... نتوقف فى الطريق فنتذوق البلح الأصفر "المستوى" المتدلى من أفرع النخيل القريبة من الأرض ... المتعارف عليه هناك ان عابر السبيل يأكل ما شاء ولكن لا يجمع الثمار – مش تيك أواى يعنى
وصلنا الى معبد آمون ... أو ما بقى منه ... يسمونه ايضاً معبد "أم عبيدة" ... جزء صغير من جدار حائل اللون عليه بعض النقوش الفرعونية وقف صامداً وسط دائرة من الكتل الحجرية الضخمة المبعثرة ... معبد آمون الذى تم بنائه فى القرن الرابع قبل الميلاد وظل صامداً ضد عوامل الزمن ... تعرض لزلزال شديد عام 1811 دمر جزء منه ... حتى دمرته عوامل البشر تماماً قرب عام 1890 بيد مأمور سيوة ويدعى محمود عزمى المشهور فى التاريخ بفعلته الخرقاء من تفخيخ المعبد بالبارود وهدمه لاستخدام أحجاره فى بناء مركز الشرطة وبيت له – للمأمور!

استكملنا الطريق لبضع دقائق فوجدنا أنفسنا أمام بناء ضخم يقع فوق صخرة عالية ... هو "معبد التنبؤات" ... ما يعرف بال"أوركل" ... وهذه التسمية جاءت من الحادثة المشهورة عندما زاره الإسكندر الأكبر طلباً لنبوؤة حول مستقبل حملاته العسكرية ... والمعبد محتفظ بالكثير من تكوينه الخارجى ... وتستطيع ان ترى من فوقه الواحة كلها وغابات النخيل المحيطة بها فى مشهد رائع ... هذا المعبد كان مخصصاً لعبادة آمون وفيه قدس الأقداس ... وهى القاعة التى تم فيها تتويج الإسكندر ابناً لآمون ... وهذا المعبد مع معبد آمون يشكلان معاً مجمع كبير حيث وجد العلماء طريقاً واصلاً بين المعبدين وبين معبد ثالث يقع فى منتصف الطريق بينهما ... والمنطقة كلها تدعى "أجورمى" ومعروفة لدى السيويو بهذا الاسم

كنا الوحيدين تقريباً فى المعبد باستثناء عائلة مصرية أعجبتنى جداً ... فالأب رجل كبير فى العقد السادس ... جاء مع ابنه الشاب وزوجته التى تقاربه فى العمر وتحمل أطناناً من وزنها الزائد ... ومع ذلك فهم يتسلقون الصخور والدرجات مع مشقتها وثقلهم كأنهم فى العشرينات من العمر ... كانوا يتبرعون بشرح المكان لنا باعتبار ان الرجل يزور المكان للمرة الثانية ... من الغريب ان تجد أسرة مصرية كاملة تهتم بالذهاب إلى مثل هذه الأماكن ... ومن الأغرب بالتأكيد أن تكون أسرة من الجيل السابق!!

مع انتهاء جولتنا فى منطقة أجورمى اتخذنا طريقاً مختلفاً للعودة إلى الواحة حيث اننى علمت من عامل الكافيتريا عند عين كليوباترا أن هناك طريقاً آخر ممهد وأكثرسهولة يبدأ من أغورمى وينتهى إلى منتصف الواحة ... كان النهار قد انتصف وحان وقت الطعام ... انحرفنا فى طريق ترابى جانبى يمر بين ترعة ضيقة وأحد الحقول ... تركنا الدراجات عند طرف الحقل وتوغلنا على الأقدام بين الأشجار والنخيل حتى وصلنا إلى بقعة بها العديد من القطع الخشبية المقطوعة من جذوع النخيل تظلها نخلة عالية تمتلىء بأسبطة البلح الأحمر بلونه القانى .... اتخذ كل منا قطعة وجلس عليها فكونا دائرة صغيرة فى وسطها وعلى بقية القطع الخشبية وضعنا علب الجبن والخبز وكيس الفاكهة ... وأخرج "ميكيل" علبة التونة وفتاحة صغيرة – نسينا ان نشترى علب التونة سهلة الفتح – ودخل فى معركة فردية لفتحها استغرقت حوالى ربع الساعة

لاحظنا تجمع الأطفال الصغار حولنا ... بنات أولاً ثم لحقهم أولاد ... أعمارهم تتراوح بين 6 الى 10 سنوات تقريباً ... بملابس البنات الملونة الزاهية و جلاليب الأولاد التى كانت بيضاء يوماً ما قبل ان يلوثها الطين والتراب مع حركتهم النشطة التى لا تكل ... وقفوا بعيداً عنا ... حافظوا دائماً على مسافة لا تقل عن 100 متر بينهم وبيننا وان ظلوا يتابعونا فى شغف .... نادهم "ميكيل" فتجرأوا قليلاً وسألوه من بعيد "واتس يور نايم؟" ... بلكنة غريبة هى تحوير من اللكنة المصرية اياها التى تجعل الذاء زاى ... وان خرجت جميع الحوف والتركيبات اللغوية سليمة تماماً كما هو متوقع من ابناء قوم يعتمدون فى اقتصادهم اعتمادا أساسيا على السياحة فتجدهم يتعلمون اللغات عن طريق السمع فقط منذ نعومة أظافرهم

حاول "ميكيل" ان "يعزم" عليهم ببعض قطع البسكوت فرفضوا رفضاً باتاً وسمعت كبرى البنات تنهر الصغار بكلمات لم أميز منها سوى كلمة "صدقة" ... هم لا يأخذون الطعام أبداً من الغرباء ويعتبرونها صدقة يترفعون عنها بإباء أصحاب الأرض ... عرفت بعد ذلك أن الأطفال هناك يحبون الأقلام ويقبلونها كهدايا من الغرباء ... عادة تعودوا عليها من أوائل الزائرين الأجانب الذين ارادوا ان يعطوا الأطفال شيئا مفيداً ... عرفت وقتها لم كان هؤلاء الأطفال الذين لا يتعدون السادسة من عمرهم والذين وقفت أمام منزلهم للراحة فى طريقنا إلى جبل الموتى كانوا يسألوننى بألحاح "بن .. بن؟" ... لم أفهم ما حاجة من فى مثل عمرهم الى قلم؟!

شيئاً فشيئاً تجرأت مجموعة الأطفال فتقموا منا وأخذوا يتبادلون معنا الحديث بالانجليزية ... عرفونا بأسمائهم وسألونا عن جنسياتنا ومن أين آتينا ... سألنا الأولاد ان كانوا يستطيعون تسلق النخل وجمع البلح فأجابوا بالايجاب ... وبدأ أحدهم فى تسلق جذع النخلة القريبة كقرد صغير حتى صار فى أعلاها فى ظرف دقائق معدودة ... ووقف بوزنه الخفيف وقدمه الصغيرة على أحد الأفرع الخضراء الممتدة من قلب النخلة ووضع طرف فانلته الحمراء فى فمه ليصنع منها جراباً آخذ يجمع فيه البلح الرطب ثم أمسك بين يديه بفرع آخر يتدلى على ارتفاع متوسط من الأرض فانزلق عليه حتى نهايته خاتماً بقفزة رشيقة لامس بها الأرض ... هرع الينا يصب البلح فى أحد أكياسنا ثم عاد مسرعاً ليجلس فى الطرف مع أصحابه كأن شيئاً لم يكن ... لم يسمح لنا حتى بشكره أو مشاركته الطعام ... انهينا غذائنا ولممنا ما بقى منه ثم اتخذنا طريقنا الى طرف الحقل حيث الدراجات وقد تحركت القبيلة الصغيرة من الأطفال لوداعنا ... انطلقنا وسط تحياتهم واشارات وداعهم من ورائنا ... ننحرف عن الطريق المجاور للترعة الى الطريق الرئيسى المؤدى الى وسط الواحة مرة آخرى